زيارة "التوافق" وخارطة السياسة الفلسطينية... د.أحمد الشقاقي

زيارة
أقلام وآراء

بقلم/ د. أحمد الشقاقي

كسرت زيارة حكومة الحمد الله إلى غزة الكثير من الجمود حول ملف المصالحة الفلسطينية، وعاش قطاع غزة أجواء استثنائية مع وصول الوفد الحكومي للقطاع. وأمام هذه الزيارة تغيرت صورة المشهد بصورة كبيرة، وتموضع الفاعلون السياسيون في رقعة الشطرنج الفلسطينية حسب الواقع الجديد بما يعكس خارطة العمل السياسي الفلسطيني.

 

هذه الخارطة أعادت حماس الجديدة خلالها ترتيب وضعها الداخلي وفق مفاهيم وثيقتها السياسية المتراجعة خطوة الى الوراء تجاه موقفها من حركة الاخوان المسلمين، وحاولت الحركة عبر قائدها في غزة وكذلك رئيس مكتبها السياسي، الاشارة بوضوح الى أنها تنطلق في أدائها السياسي من مرجعيتها الوطنية، حتى وان تعارض ذلك بشكل واضح مع الصورة الذهنية المرسومة في الاذهان العربية والفلسطينية.

 

ويرى الكثيرون أن إقدام حماس على الانفتاح مع مصر يجعلها تقفز خطوات متسارعة للأمام في شبكة العلاقات العربية، وعلى الرغم من الايجابية العالية التى تعود على الحركة وعلى الشارع بغزة من جراء هذه العلاقات فإن الكثير يبدى خشيته من أن تكون هذه القدرة العالية التى تمتاز بها حماس في تغيير موقعها السياسي مؤشراً على قدرة عالية من المرونة والمناورة بعيداً عن الموقف والاستراتيجية، لقد تمكنت حماس من الخروج بعد «مهرجان المصالحة» بشكل بدت فيه أكثر حرصاً على تحقيق التوافق ووصلت هذه الرسالة بوضوح الى القاعدة الشعبية والراعي المصري.

 

ما جنته حماس مبكراً من وراء الإعلان عن حل اللجنة الإدارية، وما أعقبه من تسليم للوزارات بغزة يجعلها أكثر تحررأ من عبء فاتورة المعاناة الفلسطينية لأهالي غزة، ويدفع المجموع الفلسطيني ليرفع المطالبات نحو الرئيس أبو مازن لمطالبته برفع العقوبات والاستجابة لنداء المصالحة والتوافق. وقبيل محطة القاهرة المنتظرة الأسبوع المقبل فإن الرئيس سيضع حماس تحت الاختبار بعد أن بات مؤكداً أن القرار برفع العقوبات عن غزة يصنعه الرئيس وليس الحكومة، رغم كل الآمال الشعبية في تلمُس توجهات فعلية نحو التخفيف من معاناة القطاع.

 

حركة فتح أدركت أن التوجه الحمساوي نحو المصالحة يأتي هذه المرة مغايراً لما سبقه، وبالتالي بدأت تستعد داخلياً ونشطت حركة اللقاءات في أطرها بحثاً عن قراءة لصورة الواقع الجديد وما ترتب عليه من التزامات على المستوى العاجل في ما يتعلق بنشاطها في القطاع وعلى المستوى اللاحق للاستعداد للانتخابات وفق تفاهمات المصالحة المعلنة.

 

من المبكر القول إن هناك حالة منظمة للاستعداد للانتخابات، لكن ما جرى خلال الاسبوع الحالي يؤكد أن تغيير محددات المشهد الداخلي قد يتغير خلال ساعات، وبالتالي فإن الوصول الى صندوق الاقتراع قد يكون في محطاته الأخيرة.

 

قوى المقاومة الفلسطينية التي طالما نادت بالمصالحة الفلسطينية بين طرفي الانقسام الداخلي وبذلت في إطار ذلك جهداً كبيراً، استطاعت أن تفرض نفسها على أجندة المصالحة عبر الحفاظ على سلاح المقاومة بالتأسيس على ما جرى في اتفاق 2005، و2011 بالقاهرة. وهذا يعني أن محاولة تمرير تفاهمات سياسية على حساب الثوابت الفلسطينية ستكون خارجة عن حالة الإجماع الوطني. أما التخوف من مسألة تمرير اتفاق تسوية يتنكر للثوابت والحقوق الفلسطينية «مشروعة»، لكن الضامن للحيلولة دون الوصول الى ذلك هو صاعق الانفجار الذي سيكون عنواناً للمشهد إذا أيقنت قوى المقاومة أن هناك تربصاً حقيقياً يهدد الحقوق الفلسطينية.

 

الجماهير الفلسطينية التي رحبت بعودة حكومة التوافق تَنظر الى المصالحة على أنها المخلص من شبح الأزمات الذي يلاحقها في كافة تفاصيل الحياة بغزة، وهذا يخالف الواقع فالمصالحة لن تتمكن سوى من رفع العقوبات عن القطاع في أحسن الأحوال، أما رفع الحصار الذي تفرضه دولة الاحتلال على القطاع منذ عملية خطف الجندي شاليط في العام 2006 سيبقى ينتظر اتفاقاً على صيغة سياسية تضم الكثير من الملفات المتقاطعة أبرزها ملف الجنود الأسرى لدى المقاومة الفلسطينية.

التعليقات : 0

إضافة تعليق