أزمة الخلق المسلم المعاصر (الحلقة الثانية)... الشيخ نافذ عزام

أزمة الخلق المسلم المعاصر (الحلقة الثانية)... الشيخ نافذ عزام
دنيا ودين

الشيخ نافذ عزام

الحديث عن أزمة الخلق المعاصر لا ينتهي، فهي أزمة تزداد احتداما مع الوقت وتشوش على كل شيء في حياتنا، ويزداد إحساسا بالأزمة ونحن نرى ما يجري في العالم بشكل عام، وفي الوطن الإسلامي بشكل خاص، لأننا نؤمن أن الأخلاق هي الركيزة الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات وربما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد هذا عندما قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.

 

ونحن نؤكد هنا أن الأخلاق تتكامل وتترابط بحيث لا يجوز أبدا أن نتوقع تطورا ونهوضا إذا ركزنا على بعض الاخلاق، وتهاونا في البعض الآخر، وهو ما يمكن أن نشير إليه بـ»الأخلاق المركبة» حسب وصف الدكتور عبد الحليم أبو شقة في مقاله الهام «أزمة الخلق المعاصر» الذي أشرنا إليه في الحلقة الأولى، ويقصد بالأخلاق المركبة، وجود أكثر من خلق في السلوك يتكون من أكثر من خلق بحيث تتكامل هذه الأخلاق معا لتنتج سلوكاً واحداً مميزا وهذا نلاحظه عندما نرى شخصين متشابهين في خلق واحد، لكنهما يتصرفان حيال أمر واحد بشكلين مختلفين.

 

فنحن نستغرب هذا خاصة أنهما يمتلكان نفس الخلق وحتى نزيد الأمور وضوحا فسنطرح جملة من الأخلاق المركبة التي يلتقي الناس فيها حول خلق واحد لكنهم يتناقضون في السلوك لدخول أخلاق أخرى تؤثر في هذا السلوك وتأخذه في اتجاه آخر تماما، فالتقوى  مثلا والتي يمكن أن تكون موجودة وبنفس الدرجة والشكل والمظهر عند شخصين تقود أحدهما للحركة والثورة والفاعلية إذا ترافق معها إيجابية، لكنها تقعد بالآخر ولا نلحظ لها أي أثر إذا تصرف بسلبية في مواجهة الواقع وقضايا الحياة..

 

الأخلاق المركبة هنا تشبه المعادلة الكيميائية حيث يمكن كتابة المثال السابق على النحو التالي: التقوى+ إيجابية= ثورة على المنكر.

التقوى+ سلبية= حث على المنكر.

 

فالشخصان اشتركا في امتلاك خلق واحد وهو التقوى، لكنهما اختلفا في الالتزام بالأخلاق الأخرى التي تعطي الفاعلية لخلق التقوى وتحوله إلى سلوك قويم يؤثر في الحياة والواقع والمسيرة الإنسانية، ونضرب مثلا آخر بالورع الذي يحتاج إلى انفتاح وتحرر فكري وإعمال للعقل وملكة التفكير ليحدث تأثيرا في الحياة، ويفقد قيمته وفاعليته إذا رافقه جحود وتقديس للأشخاص وتقليد أعمى ويمكن أن يكتب المعادلة على النحو التالي:

الورع+ تحرر فكري= اجتهاد وإبداع.

الورع+ تقديس للأشخاص سلفيين أو معاصرين= تقليد وجمود.

 

وذات الأمر ينطبق على خلق الإخلاص الذي لا غنى عنه حتى يستقيم عمل الإنسان، ويظهر أثره في الحياة، ويُقرب صاحبه من مرضاة الله، فمع وجود خلق الإخلاص عند شخصين معنيين معروفين، يمكن أن ينتج حالة من التعاون والبناء، وعند الشخص الذي يمتلك مع الإخلاص خلق التسامح والود تجاه الغير وسينتج خصاماً وتشاحناً وكراهية اذا كان الثاني متعصباً رغم أنه مخلص لله ويتصور أن ما يفعله يقربه من ربه ،الإخلاص + تسامح= تعاون ومودة وشراكة وأخوة الإخلاص + تعصب = مشاحنة وكراهية وصراع وتنافر، لذلك يجب التعامل مع الاخلاق على اعتبار أنها منظومة متكاملة لا يجوز الاكتفاء بأحدها لتحقيق النجاح وضمان سلامة العمل والاستقامة ونحن نتصرف في كثير من الأحيان وكان الإسلام كلة يجتمع في خلق واحد اذا امتلكناه تحركنا في الحياة وكأننا حزنا الخير كله ولسنا بحاجة الى شيء آخر منه واحيانا نختصر الخلق وقيمه وجوهره في مظهر معين او شكل معين فيصبح المظهر هو المعيار الأوحد الذي نقيس به الأفراد والجماعات والأعمال، وننسى تماما أن المضمون والجوهر هما الأهم ونفس كلام النبي الكريم «إن الله لا ينظر الى صوركم وأجسادكم، ولكن ينظر الى قلوبكم وأعمالكم»، وننسى هذا المعيار الصادق الذي حدده نبينا عليه الصلاة والسلام لتقييم الناس والجماعات.

 

إننا نفقد الإحساس بقيمة الاخلاق وتأثيراتها ولذلك نغرق في أزمات لا نهاية لها، إن الاخلاق تنحصر في المظهر والشكل وهي بداهة ليست محصورة في المسالك التقليدية الكلاسيكية كالبعد عن الزنا وشرب الخمر ولعب القمار وهذه اخلاق مذمومة تدمر الفرد وتشوش الحياة كلها، لكنها ليست وحدها الأخلاق، يجب أن نؤمن أن حب العلم  خلق، والجد في التحصيل خلق، واختيار التخصص حسب القدرة وحاجة المجتمع.. خلق، الاهتمام برسالة الجامعة العلمية والاجتماعية خلق، الحوار الهادئ والموضوعي.. خلق الأمانة في الأبحاث والامتحانات.. خلق، اتساع الصدر للنقد والرأي المخالف.. خلق، التثبت والتحري قبل الحكم على الأشياء.. خلق، حب الخير للناس.. خلق، ولعل من أبرز مظاهر أزمة الخلق التي تعصف بمجتمعاتنا هي التركيز على أخلاق معينة وغض الطرف تماما عن أخلاق أخرى وعلى سبيل المثال نسمع كلاما كثيرا عن البعد عن الزنى وذم شرب الخمر، والتحذير من التبرج لكننا لا نسمع إلحاحا على التسامح أو حب الخير وتمني التوفيق لكل مسلم حتى لو اختلفنا معه، لا نرى تركيزا على ذم الكراهية والتحريض فيما نتحدث كثيرا عن اختياراتنا واجتهاداتنا وأحزابنا وبرامجنا.

 

نحث الناس على السمع والطاعة، ويندر أن نؤكد على أهمية الشورى وحرية التعبير وضرورة وجود النقد والنصح والتواصي بالخير، لذلك تستمر الأزمة ويهتز البناء الخلقي ولا غرابة أن تتسع المعاناة ويتبعثر الجهد، وللحديث بقية إن شاء الله.

التعليقات : 0

إضافة تعليق