نظرة على السياسة الخارجية الأميركية : رؤية جديدة للأهداف الأميركية

نظرة على السياسة الخارجية الأميركية : رؤية جديدة للأهداف الأميركية
ترجمات

بريني ساندرس.. المصدر : ذاثير وي محاضرة ألقيت في جامعة ويستمنسر

 ترجمة/ محمود أبو علي – مركز فلسطين

 

تتعلق السياسة الخارجية بشكلٍ مباشر بالسياسة العسكرية ، فهي تحتل الأولوية في ميزانية حكومة الولايات المتحدة في الوقت الذي تنفق فيه الحكومة على الدفاع أكثر من اثنتي عشرة  دولة مجتمعة . ففي حين وصلت ميزانية الدفاع ل700 مليار دولار بزيادة 50 ملياراً، يسعى الرئيس وأمثاله من الجمهوريين للتخلي عن خطة التأمين الصحي والتي تبلغ 32 مليار دولاراً خشيةً من عجز الميزانية ! ويدعون في الوقت نفسه لتخفيض النفقات على التعليم والحماية البيئية واحتياجات الأطفال وكبار السن .

 

وكذلك فإن السياسة الخارجية ستكون محكاً إما لاستمرار دعم الولايات المتحدة لقيم الحريات والديموقراطية والعدالة ، وإما لدعم الأنظمة القمعية التي تسجن وتعذب وتسلب الحقوق الأساسية لكل إنسان  ، كما أن السياسة الخارجية مرتبطة بالاقتصاد أيضاً ، فيجب أن يؤخذ بالحسبان عدم التناسق المفرط في توزيع الثروات والدخل  داخلياً وخارجياً ، وأنه يستحيل على العالم التمتع بالاستقرار إلا اذا انتهى الوضع الي يمتلك فيه أقلة ثروات العالم .

 

وفي الوقت الذي يسبب فيه تغير المناخ مشاكل متصاعدة في أميركا والعالم ، تأتي السياسة الخارجية لتحدد إن كانت الولايات المتحدة ستتعاون مع المجتمع الدولي وقواه الاقتصادية مثل الصين وروسيا والهند لتغيير نظم الطاقة بعيداً عن الوقود الأحفوري للطاقة الفعالة والمستديمة ، فالسياسة الخارجية الحكيمة تعي أن تغير المناخ يشكل تهديداً حقيقياً لكل بلدان العالم ، ويجب على الولايات المتحدة أن تتزعم مواجهة هذه المشكلة بدلاً من تجاهلها .

 

ما أود قوله أنه ينبغي النظر للسياسة الخارجية لا على أساس أنه أزمة اليوم ، فرغم أهمية الأزمات الراهنة إلا أننا نحتاج إلى نظر موسعة حولها .

اليوم نواجه تهديدات مختلفة ، فلا يجب أن ننسى أحداث الحاد عشر من سبتمبر  ، وكذلك جميع الأحداث المؤسفة التي دكت معظم عواصم العالم ، فأصبحنا نعي تماماً وحشية مجموعات داعش والنصرة وما شابهها . كما أننا نواجه خطر امتلاك مثل هذه المجموعات لأسلحة الدمار الشامل ، حيث يشكل العمل للحيلولة دون ذلك أولويةً للولايات المتحدة .

 

وفي السنوات الأخيرة ، ازدادت المجابهة من قبل دكتاتورية كوريا الشمالية المنعزلة والتي تعمل بشكل متزايد على تطوير قدراتها النووية وصواريخها الباليستية العابرة للقارات .

 

فكل هذه الأزمات المتنوعة مختلفة تماماً عن أزمات الماضي ، وتحتاج بالتالي تعاطياً مختلفاً ، ولكن قبل البدء بالحديث عنها ، لا بد من الحديث عن إحدى المشاكل التي تقوض قدرتنا على التعاطي مع هذه الأزمات ، والمتمثلة في غياب الثقة في المستقبل المشترك والقيم الديموقراطية .

 

يجب علينا إعادة التفكير في العقلية الحاكمة للولايات المتحدة والتي تقضي بأن القوة العسكرية تستطيع الإنجاز أكثر مما تفعل الجهود الدبلوماسية . ربما القوة العسكرية تكون ضرورية في بعض الأحيان ، ولكن بكل تأكيد يجب أن تكون الملاذ الأخير ، فالتهديد باستعمال القوة بشكل متهيج قد  يشي بشيء من الضعف للقدرة العسكرية للولايات المتحدة وضعف قوة الردع والمصداقية لديها .

 

ولتوضيح ذلك ، فنحن نملك شيئين متناقضين من نتاج السياسة الخارجية الأميركية : أي الحرب في العراق والاتفاق النووي مع إيران ، فقد أصبح من المقر به اليوم أن التوجه إلى العراق للحرب خطأٌ فادح . وبالإضافة إلى العديد من الآلاف الذي قضوا فيها ، فإنها أسهمت في خلق حالة من انعدام الاستقرار في المنطقة الأمر الذي جعلنا حتى يومنا هذا نواجه صعوباتٍ في سوريا وغيرها من المناطق . فمن المؤكد أنه لولا حرب العراق ، لما ظهر تنظيم الدولة . كما أن حرب العراق بدت كاستعراضٍ لمدى قوة الولايات المتحدة ولكنها انتهت ببيان حدود هذه القوة فقط .

 

وفي المقابل فإن الاتفاق النووي مع إيران أسهم في دعم أمن الولايات المتحدة وشركائها ولم يكلف أية قطرة دماء ، فرغم أن المشروع النووي الايراني أرق الكثيرين في المنطقة ، إلا أن إدارة أوباما نجحت في التوصل لاتفاق يجمد النشاط النووي الايراني ويبعد عن الولايات المتحدة هاجس امتلاكها لسلاح نووي ، هذه هي القيادة الحقيقية وليس القوة الحقيقية !

 

.لذلك لن يكون من مصلحة الولايات المتحدة التحلل من هذا الاتفاق وفقا لتلميحات ترامب ، فهو الأمر الذي سيؤثر على مفاوضاتها المستقبلية حول وقف التخصيب ،فكيف لأي دولة في العالم توقيع اتفاقية مع الولايات المتحدة ، إذا علمت أن رئيسها بقرار عشوائي قد يتراجع عن الاتفاقية بعد بضع سنين فقط ؟

 

وفي الملف الكوري الشمالي تواجه الولايات المتحدة أحد أشد الأنظمة سوءاً ، حيث يكرس النظام جميع امكاناته ويضحي بمواطنيه من أجل حماية حكم أسرة كيم للبلاد ، ولا مجال للتعامل مع هذا النظام إلا بتكوين إجماع عالمي على خطورة أنشطة كوريا الشمالية ، ومحاولة تجنيد هذا الاجتماع لحلٍ ما ، تماماً كما حصل مع إيران . فينبغي أن تضاعف الولايات المتحدة العقوبات الدولية عليها والعمل مع دولٍ أخرى كالصين مثلاً والتي تشكل 80 % من حجم التبادل التجاري لكوريا الشمالية . ولكن الأهم هو الوصول لرؤية دولية تتضمن اعتبار أنشطتها مثار قلق دولي ، وقيادة الجهود الدولية لحله .

 

السبيل الفعال في السياسة الخارجية هو استخدام الولايات المتحدة لقوتها السياسية والاقتصادية والمدنية لتشجيع الدول على تبني أنظمة حكم صديقة للولايات المتحدة الأمر الذي ينعكس بالأمن علينا .

 

فالمساعدات التطويرية ليست ضرباً من ضروب الصدقات ، بل إنها ضرورة لتطوير أمننا القومي . فالسياسة الخارجية الأميركية لا بج أن تتضمن تركيزاً أكبر على مساعدة الناس في نيل حقوقهم المدنية والسياسية وجعل أنظمتهم السياسية مسؤولة أمام الشعب .

 

فمن وجهة نظري فان كل إنسان على هذه الأرض يشارك في هم انساني مشترك ، فهو يرغب أن يترعرع أطفاله بشكل صحي ، وأن يحصلوا على تعليم متميز ووظائف لائقة وشرب ماء نظيف وتنفس هواءٍ نقي والعيش بسلام . وهو ما على الولايات المتحدة أن تضعه نصب أعينها .

 

 

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق