ع الوجع

فــضــفــضــة...! معروف الطيب

فــضــفــضــة...! معروف الطيب
أقلام وآراء

معروف الطيب

 

كنت أركز على الكليات فالمصالحة من وجهة نظري صالح وطني فلسطيني، وهو خطوة للأمام باتجاه الهدف، وتصحيح المسار الخاطئ الذي تورطنا فيه وألحقنا الأذى دونه بقضيتنا، وأنفسنا. وهو كان يتحدث بلغة الأنا فقط، ولكنه نجح في جذب تعاطفي، وأجبرني على تخفيف حدة دفاعي واستفزازاتي، فهو ببساطة شاب كبقية الشباب يطرح بكل سذاجة وجهة نظر في(الصميم) وإن كانت تبدو سطحية لأبعد حدود..  كان يدافع عن نفسه كأنه مستهدف من المصالحة، "ماذا سأستفيد أنا من المصالحة؟!.."

 

قلت: يا أخي الانقسام مرض والمصالحة علاج، من خلال العلاج يصبح الجسد الفلسطيني أكثر قوة، ونصبح شعباً واحداً بدل كوننا شعوباً، وقد ننجح في علاج الرواسب المجتمعية وترميم البنية الأخلاقية التي تضررت في السنوات العشر الماضية.. أنا مدرك أن القيم (تبهدلت)، والبنية الأخلاقية ضربت، وظهرت بيننا أحقاد وفترت علاقات وتقطعت أواصر ونقضت عرى كانت في الماضي وثيقة الرباط. قاطعني قائلاً: «مَنْ سيعيد لي عمري الذي ضاع؟!. هذه عشر سنوات من عمري، وأنا لم أبن جحراً لأسرتي المستقبلية، كنت في مطلع العشرين عندما حدث الانقسام، الآن اقتحمت (جحيم) الثلاثينيات وحضرتك تقول يجب ألا نتوقع حلا سحرياً لمشاكلنا.. متى سأحصل إذن على أي شيء أنا لا شيء.. صفر على شكل إنسان.. أين هي حقوقي؟!. أحاسب من على مأساتي؟! ومأساة عشرات الآلاف من جيلي؟!». حتى لو جاء الحمد الله بالفرج وبدأ عهد فيه الحياة أصبحت أسهل.. سيستغرق وقتاً طويلا حتى يشعر الناس (العاديون) بهذا الفرج ومتى سأشرع بصناعة مستقبلي؟!. ومتى سأرى أولادي؟!. وأية حياة سأضمنها لهم؟!. وهل سأظل في طابور العاطلين المنتظرين دورهم للحصول على كابونة الوكالة؟!».. مرة أخرى يثور في قلبي الوجع يا له من وجع أعجز عن ترجمته بكلمات قد لا تنجح في أكثر من تطييب خاطره، وتملس على جرحه دون تقديم أية ضمانة، وخصوصاً أننا كلنا لا نزال نراوح مكاننا في التفاؤل حيناً وطمأنة الناس على حذر من مخرجات المصالحة المقبلة، والتخوف أحياناً والتحذير من فداحة الثمن الذي قد يختفي في الكواليس لهذه المصالحة، والذي اضطرنا لهذا التخوف المبرر هو الترحيب الصهيوني الأمريكي الغربي.. على اعتبار أنهم بالتأكيد لن يقبلوا لنا بالخير.

 

كان علي أن أستمر في طمأنة صاحبي هذا الذي رماني سوء طالعي لمقابلته صدفة في سيارة الأجرة، والذي انحاز السائق ومعظم الركاب لمخاوفه المبررة أيضاً.. قلت بلهجة خجلة : «إنَّ التفاصيل تملك في طياتها مآسي وأحزاناً، وأعلم أن الحمل ثقيل على كلا الطرفين، لأن المصالحة ليست قراراً شجاعاً فحسب بل نزوعاً وسلوكاً بعده لتذليل العقبات ـــ وما أكثرها العقبات وما أخبر الشياطين بالتفاصيل التي (سيلبدوا) فيها ـــ فمصلحة المجموع تقتضي أن نغض الطرف عن هذه الأوجاع التي هي مؤلمة وقد تكون أكثر من أن نحصرها في عناوين قليلة..  

 

نعم يستحق شعبنا الأفضل والمساحة ضاقت حتى اختنق الجميع، ولكن المصالحة قدرنا وأفضل مليار مرة أن نتصالح من أن يستمر الانقسام، أما الجيل الذي فقد عشر سنوات من عمره هي سنوات البناء والتقدم والعطاء فلا نملك لهم سوى الاعتذار.. وإن جحيم المصالحة أهون بكثير من نعيم الانقسام الذي فقد مبررات بقائه، وإنه من الأنانية أن نعتقد أن خيار شمشون يجب أن يكون خيارنا لأننا كطبقة أو جيل أو فئة خسرنا فليخسر الجميع.. فاجأت صديقي الذي لا أعرفه باعتذار واختطفت قبلة على رأسه حاول أن يمنعها ولكن هيهات فقد كانت أسرع من أن يلتقطها.. ابتسم الشاب وابتسم الجميع وكانت ابتسامتي تغلف الوجع الذي ملأ قلبي.     

التعليقات : 0

إضافة تعليق