مرايا

تفاهمات مريبة... عبد الله الشاعر

تفاهمات مريبة... عبد الله الشاعر
أقلام وآراء

 

عبد الله الشاعر

لعلّ أخطر ما في المؤامرات والمشاريع التصفوية اختيارها اسماً وعنواناً خبيثاً ومنمّقاً تستتر خلفه...عنواناً يساهم في اختراق الوعي الشعبي وحصانة ضد الاعتراض عليه أو محاولة فضحه وكشف خباياه ، ولعل تسمية ما يجري في عزة بالمصالحة أنموذج صارخ لهذا التضليل والخديعة ، حيث تصبح أيّ محاولة للاعتراض على ما يجري من تفاهمات هو اعتراض على وحدة الشعب وتصالح تياراته، بل سيغدو الاعتراض وكأنّه دعوةٌ للتناحر بين أفراد الشعب ، وإذكاءٌ لحالة الاحتراب والتنازع بين أحزابه وتياراته ، وهنا يصبح الاعتراض على ما يجري اعتراضاً على تطلّعات الجماهير نحو الوحدة والتكاتف ، واعتراضاً على محاولات ومساعي القائمين على المصالحة لإنقاذ غزة وأهلها من براثن الفقر والجوع والحرمان !

 

 يُذكّرنا هذا الأمر بحملة الإبادة التي شنتها القوات الأمريكية على الشعب الصومالي مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وقد أطلقت عليها اسم (إعادة الأمل) وهو اسمٌ كفيل بتزيين الجريمة وتسويقها بلباسٍ كريم وإنسانيٍّ كبير!

 

من الصعب الآن وفي ذروة الفرح العارم الذي يجتاح كثيرين من أهل غزة إقناعهم أن ما يجري بعيدٌ عن حقيقة التصالح ، وأن معاناتهم ليست أكثر من مطيّة يمتطيها المُخطّطون لتمرير مشروعٍ أكبر من فقرهم ومعاناتهم وجراحاتهم المزمنة، وبما أن الغريق يتعلّق بقشّة رغم أن القشّة لا تُنقذ غريقاً ولا تحمي من عاصفةٍ ، فإن أهل غزة وصل بهم الحصار والمعاناة إلى التعلّق بأيّة قشّة ، فكثُر الذين يستغلّون هذا الغرق وملأوا البحر بالقشّ والقوارب الملأى بالثقوب ، فأيّ نجاةٍ ستتحقّق لغزّة وأهلها وبحارُ المشاريع تتأهّب لابتلاعهم ؟!

 

إن أكثر ما يخيفنا فيما يجري من تفاهمات الرعايةُ الإقليميةُ لها ، والتشجيعُ العالمي لمسيرتها، والصمتُ الذي لا يعني غير الرضا والقبول من أعداء غزّة وأهلها المستضعفين، وهذا وحده كفيلٌ بإثارة كل الشكوك والمخاوف، ناهيكم عن الحرص الشديد من قبل الأطراف المتحاورة على التعتيم على الشعب وتغييبه وعدم مكاشفته بحقيقة ما يجري، في الوقت الذي سُمح لكل أعداء الشعب أن يكونوا على اطلاع تام بكل التفاصيل، علاوة على دورهم في رسم خريطة التفاهمات ، والتخطيط لمآلاتها المستقبلية!

 

علمتنا تجارب التفاهمات السابقة ألا نثق بها ولا بتوصياتها، وما يجري من لقاءات في مصر أو غيرها لن يزيدنا إلا تشكّكاً وحذراً، ومن حقنا أن تعلمنا التجارب السابقة ضرورة الحذر من كل المساعي الشبيهة بسابقاتها، سواءً تحصّنت بقداسة المكان في مكة، أو تخضبت بالنيل أو جواره، ولا يصحّ بحال أن يُلدغَ المؤمن من جُحْرٍ مرّتين.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق