أزمة الخلق المسلم المعاصر (الحلقة الثالثة)... الشيخ نافذ عزام

أزمة الخلق المسلم المعاصر (الحلقة الثالثة)... الشيخ نافذ عزام
دنيا ودين

الشيخ نافذ عزام

أزمة الخلق المعاصر التي بدأنا النقاش حولها، لا تنحصر في جانب واحد فقط، ولا يكون تأثيرها أيضا في جانب واحد فقط، إنها مرتبطة بكل أنشطتنا، وبجميع مناحي حياتنا، ونكاد نجزم بأن وجودها سبب رئيس في كل مصائب الأمة، وفي كل هذه الانهيارات التي تتوالى، فالصعود له أخلاقه التي لا يمكن أن يتحقق بدونها، وكذلك وجود أزمة الخلق يتسبب في حالة الجمود والتراجع والهزيمة التي نعيشها ويُراد من الأمة أن تقبل بها وكأنها قدر لا فكاك منه.

 

وربما يتساءل الكثيرون منا عن سبب تفوق الغرب وامتلاكه هذا التقدم المذهل مع وجود انحرافات خلقية خطيرة مثل الظواهر المتصلة بالجنس والخمر والقمار، وإذا تأملنا حقيقة الأخلاق كما طرحها القرآن الكريم وجسدها النبي صلى الله عليه وسلم سلوكا وعلاقات وآلافا من الأحاديث سنجد الإجابة على هذا التساؤل وسنكتشف أن الأخلاق مجموعة متكاملة من القيم تغطي كل جوانب الحياة الفكرية منها أو السلوكية والشخصية والاجتماعية، والذي يحدث في الأمم أن تتغلب بعض القيم على بعض فتنهض الأمة بغلبة قيم مثل الثقة بالنفس والاجتهاد والمثابرة والجدية والاتقان وفهم طبائع الأشياء وقوانين المادة واليقظة واحترام نظام الحياة وحسن إدارة الأمور والبسالة والتضحية.

 

فإذا برزت هذه القيم كان لها التأثير الكبير في إحداث النهضة وتوفير الراحة للأفراد وامتلاك مفاتيح التقدم وأيضا تخفف من أثر بعض الانحرافات الخلقية كالزنا والخمر والقمار، وهذا بالضبط هو سر تقدم الغرب الذي تتزعمه أمريكا.. فوجود قيم النهوض يغطي على الانحرافات الخلقية الموجودة فعلا في تلك المجتمعات لكن إذا تدخلت عوامل طارئة كظروف حرب أو فقر شديد أو فراغ روحي قد يقع إسراف في الخمر والميسر والزنا مما يحطم أخلاق النهوض ويهدد المجتمع ويبدد طاقته، والمؤسف أننا كمسلمين نفتقد لكثير من أخلاق النهوض أو قيم النهوض كالمثابرة واحترام نظام العمل، والاتقان فيما نقوم به والتعاون لتحقيق الإنجازات، والطموح الإيجابي فنعجز عن مسايرة التقدم الهائل الذي أحرزه الغرب رغم امتلاكنا لجانب آخر من الأخلاق المتمثل في ما تعززه العبادات والالتزام بالإسلام.

 

إن هناك أخلاقا للقوة كالعزم والشجاعة والطموح والنظام والصبر والتعاون يقابلها أخلاق الضعف كالسلبية والجبن والخوف والتواكل والأنانية وحب كل فرد لنفسه، وتقديمه لمصلحته، وعدم مبالاته بما يجري من حوله، وإن أخلاق الحق والخير مثل الإخلاص لله والبعد عن المحرمات من زنا وخمر وقمار، والتوبة والتواضع والحياء والعدل مع العدو والصديق يقابلها أخلاق الباطل والشر كالتهتك والانحلال وشرب الخمر والزنا والتهالك على الدنيا بأي ثمن والظلم لمن لا نحبه، والحقد على من نختلف معه.

 

وعندما تنهض الأمم وتصعد تكون أخلاق القوة قد تغلبت على أخلاق الباطل والشر وبنفس المعيار لا يفيد وجود أخلاق الحق والخير إذا تغلبت أخلاق الضعف فيحدث الانهيار والتراجع، أي أن أخلاق الحق والخير التي تحدثنا عنها عندما تضاف إلى أخلاق القوة تزيدها تماسكا وتأثيرا كما أن أخلاق الباطل والشر تضاف الى القوة فتضعفها ونحن نقدر كثيرا ما كتبه الأستاذ أبو الأعلى المودودي الداعية والمفكر الهندي الباكستاني حول هذا الموضوع في كتابه الهام «الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية».

 

وسننقل حرفيا بعض ما قاله لأهميته وضرورته يقول المودودي: «... إن هناك أخلاقا أساسية إنسانية لا يمكن أن ينجح الإنسان في هذا العالم –سواء كان مؤمنا أو كافرا أو صالحا أو طالحا- إلا إذا تحلى بها مثل قوة الإرادة والصبر والثبات والهمة والشدة والبأس والولوع بالغاية والاستعداد للتضحية بكل شيء في سبيلها والحزم والحيطة وإدراك العواقب وحب النظام والإحساس بالمسؤولية والامتلاك للعواطف والرغبات النفسية...».

 

ويُكمل: «... على أن هذه الثروة لا تنقلب إلى قوة جماعية عظيمة محكمة فعالة في الأمر الواقع إلا إذا ساعدتها جملة من الصفات الخلقية مثل الاتفاق على غاية مشتركة كانت أحب إليهم من أغراضهم الشخصية وكان زعماؤهم عندهم الإخلاص وحسن التدبير»، ثم ذكر أن الإسلام مع تقديره لتلك الأخلاق الأساسية حضّ على مجموعة من الأخلاق أطلق عليها الإمام المودودي «الأخلاق الإسلامية»، وقد أكد أن هذه المجموعة لها دور كبير ووظيفة أساسية تتلخص في:

 

  • توجيه الأخلاق الأساسية الإنسانية وجهة الخير (الاستعمار الغربي الحديث مثال جيد يوضح كيف يمكن توجيه الأخلاق الأساسية وجهة الشر).
  • توطيد الأخلاق الأساسية وتوسيع مجال تطبيقها.
  • الأخلاق الأساسية هي الطبقة الأولى من البناء ثم يشيد الإسلام عليها طبقة ثانية من الأخلاق الفاضلة حتى يرتقي بها الإنسان إلى درجات الشرف والكمال.. والإسلام هنا-أي في مجال الأخلاق الإسلامية- يطهّر قلب الإنسان من الأثرة والظلم والوقاحة والخلاعة وينمي في نفسه تقوى الله ويجعله جواداً ودودا ناصحاً أمينا عادلا صادقا لخلائق الله جميعا في كل حال كما يجعله فوق ذلك مفتاحا للخير مغلاقا للشر في أرض الله كافة.

 

كلام هام لواحد من أعلام الفكر الإسلامي والحركة الإسلامية، نرى ضرورة الإصغاء إليه كثيرا رغم مرور عشرات السنين عليه لأن الأزمة لا زالت قائمة بل وتتسع، وللحديث بقية إن شاء الله.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق