العدل أساس الملك... محمد شحادة

العدل أساس الملك... محمد شحادة
دنيا ودين

محمد شحادة

أعطى الإسلام أهمية كبرى للعدل ..وأعلى من شأن هذه القيمة الإنسانية الكبرى، وجعله فرضاً من فرائضه للتعامل بين الناس بعضهم مع بعض..

 

لأن العدل أساس المُلك وهو من مثل العليا والقيم الخالدة، في كل زمان ومكان. وفرض الله على المؤمنين إتباع الحق، وإلتزام الصدق، والترفع عن الظلم، لأن الظلم مرتعه وخيم؛ ولأن الظلم ظلمات يوم القيامة، والله لا يحب الظالمين. ويهتف الإسلام بالضمير البشري أن يتحرى العدل في القول والعمل، ولا سيّما في الشهادة، لأن الشهادة لله تعالى فلا يجوز كتمانها، قال تعالى:

 

 وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ    البقرة

ويفرض الإسلام على المؤمنين أن يظلوا قائمين بالقسط، مواظبين على العدل يقولون الحق ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين قال تعالى:

 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا   

 

وفي الآية الكريمة توجيه سام بأن لا نخاف في الله لومة لائم، فلا نحابي الغنيّ لغناه، أو نظلم فقيراً لفقره، بل نقول الحقّ لأنه أحق أن يُتِّبَع. ولا يجوز للمسلم أن يتبع هوى النفس وينحرف عن جادة العدل والصواب.

 

إنّ الإسلام يأمر بمراعاة قواعد العدل مع الأصدقاء والأعداء على حد سواء، ولا يحل لأحد أن ينحرف عن طريق الصواب بدافع من الكراهية والبغضاء حتى مع الأعداء، فيظلم أو يجور ويرتكب ما لا يحل؛ لأن العدل من تقوى القلوب قال الله تعالى:

  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ    النساء 135.

أي لا يحملنكم شدّة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم، أو نقض العهد تشفيًا مما في قلوبكم.

 

ففي في فتح مكة أغلق عثمان بن طلحة بن عبد الدار باب الكعبة، وأبى أن يدفع المفتاح إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) ليدخل فيها وقال:

«لو علمت أنه رسول الله لم امنعه»

فلوى علي كرم الله وجهه يده وأخذ المفتاح منه عنوة، فدخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وصلى فيها ركعتين، ولما خرج سأله عمّه العباس (رضي الله عنه) أن يدفع له المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة فنزل قول الله تعالى:

  إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا    النساء35

 

فأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، عليًّا (رضي الله عنه) بأن يرد المفتاح إلى عثمان بن طلحة ويعتذر إليه ففعل ذلك عليّ، فصار ذلك سببًا لإسلامه. ونزل الوحي بأن السدانة في أولاده أبدًا.

فإذا كان هذا هو العدل مع المشركين فما ظنك بالعدل مع المؤمنين؟ إن من أسباب هلاك الأمم أن يُحابى الأشراف والرؤساء وذوو الجاه، بينما يُعاقَب الضعيف الذي لا جاه له يحميه، ومن شأن هذه التفرقة أن تثير أحقاد العامة، وتبعث كامن العداوة والبغضاء في نفوسهم، وقد يخرجون على القانون، كما أنها تشجع المعتدين من الإشراف والعظماء على التمادي في فسادهم وجرأتهم، وفي هذا يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): «إنما أُهلك الذين من قبلكم إنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وايم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لَقَطَعْتُ يدَها»

 

ومن وجوه العدل في الإسلام:

 

وجوه العدل الواجبة في حياة المسلم أن يعدل مع نفسه: فيقودها إلى فعل الخيرات والتوحيد، ويبتعد عن المُنكرات والشّرك الذي هو أعظم الظّلم، قال تعالى: (إنّ الشِّرك لظلمٌ عظيم) [لقمان:١٣]. أن يعدل مع زوجته: فيقدّم لها حقوقها وكلّ ما يلزمُها، وإ ن كان مُتزوِّجًا أكثر من زوجةٍ واحدةٍ فعليه أن يعدل بينهنّ في كلِّ شُؤون الحياة في الأكل، والشُّرب، والمسكن، وكلّ النفقات. أن يعدل بين أبنائه: فيوفّر لهم سُبُل العيش الكريم، ولا يُفضّل أحدَهم على الآخر بمالٍ أو مُعاملةٍ أو غيرها، حتى لا تنشأ البغضاءُ والضّغينة بينهم، ويتولّد الحقد، فيكره بعضهم بعضًا. أن يعدل مع كل الناس: في عمله وكلّ مُعاملاته أينما كان موقعُه؛ فالله عزّ وجلّ يحبُّ أن يسود العدل بين عباده، ويُبغض الظّلم والجور بينهم، قال تعالى: (إنّ الله يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمُنكر والبغيِ يَعِظُكم لعلَّم تذكَّرون) [النحل:٩٠].

 

 

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق