وعد بلفور في ذكراه المائة... الشيخ نافذ عزام

وعد بلفور في ذكراه المائة... الشيخ نافذ عزام
أقلام وآراء

الشيخ نافذ عزام

يبدو أننا وحدنا في العالم الذين تُنتهك حرماتنا، وتُسرق حقوقنا، ونظل محافظين على علاقتنا مع السارق والمعتدي والذي تسبب في كثير من الكوارث التي حلّت بنا، نقول هذا الكلام بمناسبة مرور مائة عام على وعد بلفور الذي أسس لقرن كامل من الدم والعنف والمظالم، وحيث تؤكد رئيسة الوزراء البريطانية أنها لن تعتذر عن ذلك الوعد الأسود، بل وستقيم احتفالا يخلد الذكرى ويكون مناسبة للتعبير عن الاعتزاز بوعد بفور وكل ما أنتجه في سنواته المائة.

 

يذكرنا هذا الموقف لرئيسة وزراء بريطانيا، بالمستعمرين القدماء وطريقة تعاملهم مع الشعوب والأمم الأخرى تعاملا اتسم دائما بالغطرسة والتعالي، وإنكار الحقائق، وتجاهل قيم وعادات ومعتقدات تلك الأمم.. إننا نتصرف بنزاهة وتعقل وموضوعية، وهي خصائص استلهمتها أمتنا من الإسلام العظيم، وتحركت بها داخليا وخارجيا، ولم تسعَ أبدا وفي أية لحظة للقضاء على ثقافات ومعتقدات الشعوب الأخرى عندما كانت دولة الإسلام تحكم أكثر من نصف الكرة الأرضية وكانت تضم أهم وأغنى وأخصب بقاع الأرض، لم ترتكب دولة الإسلام مجازر كتلك التي ارتكبها الصليبيون والمستعمرون الانجليز والفرنسيون والإيطاليون والبرتغاليون والأسبان.. ولم تحرم أية قومية من لسانها وثقافتها وهويتها، ولم تجبر أحداً على ترك معتقده والدخول في الإسلام لم تكن لدينا أية عقدة تجاه أية مجموعة بشرية وبغض النظر عن الذين واللون والقومية، ولم نكن نمنّ على أحد بهذا السلوك وهذه التصورات، بل كنا نفعل ما فهمناه من ديننا وما زرعه نبينا عليه الصلاة والسلام في عقول الناس وفي ذاكرة التاريخ، وكان القبطي المصري يدرك هذا ويدرك معه أنه لن يستطيع أخذ حقه من حاكم مصر نفسه ومن ولده حتى لو تطلب الامر سفرا من مصر إلى مقر الخلافة ومركز الدولة في المدينة، وكان الرئيس الأعلى لدولة الإسلام عند حسن ظن القبطي الذي يحمل عقيدة أخرى حين قضى له في مظلمته وأعطاه الحق والفرصة ليقتص من حاكم مصر المسلم وولده.

 

تلك القصة واحدة من آلاف القصص التي تشهد على نزاهة هذا الدين والحكم الذي أقام عليه قيمه وقواعده، وحتى في أكثر المراحل تراجعا، لم يسجل التاريخ ارتكاب دولة الإسلام لفظائع ومجازر كتلك التي تعرضت له أمتنا على يد أعدائها... وما سجله المؤرخون الغربيون أنفسهم يحكي عن التاريخ الناصع لأسلافنا وأجدادنا، والمؤرخون الغربيون أنفسهم يثبتون المجازر وبحار الدم التي تسبب فيها الاستعمار الغربي لديار المسلمين.. من المغرب إلى الجزائر وتونس وليبيا وفلسطين وكل بلاد الشام والعراق وإيران وصولا إلى حالات الإبادة في أفريقيا وآسيا.

 

إننا حاولنا دائما ألا يكون للبغضاء مكان في قلوبنا وعقولنا وبرامجنا، وتصرفنا بأخلاقية رفيعة ونحن نفتح صفحات جديدة مع مستعمري الأمس لبناء حياة جديدة تسعد فيها الأجيال وتستشعر الأمن والكرامة، فهل تصرّف المستعمرون القدامى  بما يوحي أنهم نسوا الماضي الأسود وتخلوا عن سياسة الاستعلاء والغطرسة والسيطرة والنهب.

 

إن إصرار رئيسة الوزراء البريطانية على الاحتفال بوعد بلفور ورفض الاعتذار عما تسبب به من مآسٍ للشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية يدلل بشكل صارخ على أن بريطانيا لم تغادر ماضيها الاستعماري وأنها لا تزال تنظر بعيد السيد الذي يأمر وينهى ويسرق وليس أمام الآخر إلا الطاعة والإذعان.

 

وأمام هذا الإصرار يصبح واجبا على الدول العربية والإسلامية وقبل ذلك على الفلسطينيين مراجعة العلاقات مع بريطانيا وأشكال التعاون معها.. لا نطالب بحرب أو قطيعة مع العالم ولكن من الضروري أن نعرف كيف نتعامل مع من يصر على إهانتنا وعلى الانحياز السافر ضد الضحايا والمظلومين على مدى مائة عام من عمر وعد بلفور الذي قدمته حكومة صاحبة الجلالة كهدية لليهود على حساب شعب مسالم اقتلعه الوعد من أرضه وشرده ولا يزال في كل انحاء الأرض.. مطلب بسيط نظن ان كل أحرار العالم يتفقون معنا على مشروعيته!!.

التعليقات : 0

إضافة تعليق