أزمة الخلق المسلم المعاصر... الشيخ نافذ عزام

أزمة الخلق المسلم المعاصر... الشيخ نافذ عزام
أقلام وآراء

(الحلقة الرابعة)

الشيخ نافذ عزام

ما نود التأكيد عليه عبر سلسلة المقالات هذه، هو استحالة حدوث تغيير في حياتنا، إذا لم تستقم أخلاقنا بالمعنى الكامل للاستقامة، ونحن لا نقصد أبداً تحسين المظهر والشكل، أو العناية فقط بالأشياء الظاهرة، نحن نتحدث عن ضرورة إصلاح منظومة الحياة كلها.

 

فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقسم أمام الناس «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن...»، فقد يظن السامع أن الأمر يتعلق بعبادة كبيرة، أو فاحشة كبيرة، لكن المفاجأة لنا حين نسمع ونقرأ بقية الحديث «قيل: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه».

 

هذا القسم الخطير من النبي الكريم بنفي الإيمان لم يتعلق هنا بتقصير في عبادة، أو ارتكاب واحدة من الفواحش المعروفة، بل تعلق بسلوك اجتماعي، وخلق عام.. وهو ما يلخص لنا الأزمة العاصفة التي نعيشها.. فهذا الذي ينفي عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم صفة كمال الإيمان هو شخص ربما صلى وصام وتصدّق حتى وظنّ كما يظن أكثرنا أن هذا هو جماع الإيمان، ويظن ونظن نحن معه، أنه قد قطع معظم الطريق إلى الجنة، يجد نفسه وفق منطق الحديث مفلسا تماما ويكاد يفقد كل شيء لمجرد أنه أساء إلى جاره، أي أنه هزّ أركان التضامن والتماسك في المجتمع، وهذا يقودنا للحديث عن ظواهر موروثة عندنا بالتقليد، وقد أصبحت جزءا من حياتنا وتساهم في تحديد معايير كل شيء تقريبا...

 

الظاهرة الاولى: المفهوم الخاطئ لمعنى الصلاح والإنسان الصالح، فالإنسان الصالح في مجتمعاتنا هو الذي لا يزني ولا يسرق ولا يشرب الخمر، وكأن قيمة الصلاح اختصرت في البعد عن الزنى والسرقة وشرب الخمر، وتناسينا بقية الأخلاق الأساسية كالمثابرة والإرادة الحرة والعزم والتضحية، وسعة الصدر، وقبول الرأي الآخر، والتعاون والبعد عن النميمة والحسد.

 

إن تغاضينا عن جزء مهم من الأخلاق، فيما نركز على أخلاق بعينها في إطار تعريفنا للصلاح والفضيلة هو تكريس للأزمة، وإدامة للمتاهة، وهذا التناقض يفسر تطور المجتمعات الغربية، وامتلاكها ناصية الحضارة والتقدم والحداثة، وبقاء مجتمعاتنا غارقة في التخلف والفقر والجهل.. إن أخلاقا كالمثابرة والجد والتخطيط، وحسن الإدارة، وتنظيم الحياة، هي أخلاق مشتركة بين المؤمن والكافر.. بين الإسلامي والليبرالي.. ونحن للأسف نفتقد روح المثابرة ونضيّع النظام، ولا نحسن إدارة الحياة، ولا نريد الاعتراف بذلك فنعزي أنفسنا بأن الغرب يتقدم علينا فقط لوجود المعاصي عندنا وأننا لو قضينا على مظاهر الفساد التقليدية كشرب الخمر والسرقة، وأننا لو دمرنا أماكن اللهو التي تشجع على الزنا، فإن كل شيء سيصبح على ما يرام، وسنمتلك أسباب النهوض..

 

للأسف هذا فهم خاطئ، من الضروري أن نتصدى لكل مظاهر الفساد من زنا وخمور، لكن هذا وحده لا يحل المشكلة إن عجزنا عن امتلاك روح النهضة، وإذا لم نوفر البيئة الصحيحة للثورة الصناعية، وإذا لم نعرف كيف ندير حياتنا وننظم خلافاتنا، إذا لم نتخلص من أنانيتنا وحب انفسنا الذي يكاد يتحول إلى تأليه للأفراد وتقديس للأفكار والجماعات.

 

إن تغيير المسالك الاجتماعية والأخلاقية هو الأساس للنهوض وامتلاك زمام التاريخ، ولعل هذا ما يقصده النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وحج واعتمر، وقال إني مسلم، إذا حدّث كذب، وإذا  وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، وفي رواية أخرى: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم»!.

 

هذا بالضبط ما كنا نقوله في صدر مقالنا -الصلاح الفاسد او الصلاح المشوّه- بل إن النبي الكريم استخدم الألفاظ بكل وضوح، «وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال إني مسلم»، فهذا لا يُغني ابدا عن الخلل القائم.

 

إن شيوع الكذب والتضليل، والوعود الكاذبة، وخيانة القيم والمواثيق تدمّر المجتمعات وتعيق النهوض، وتحيل الحياة إلى جحيم كبير، كما هو حاصل في حياتنا.. ليس صلاحا كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم الاكتفاء بالصوم والصلاة والحج والعمرة والزعم بأننا مسلمون.. هذا ليس صلاحا ولا يمكن أن تكون هذه فقط هي الفضائل.. ولا معنى للصلاة والصوم والحج والحديث المدوي عن الإسلام إذا ترافق مع ذلك كله، الكذب والتضليل والغدر، والخيانة، والفجور في الخصومة وعدم الالتزام بالضوابط الأخلاقية للخلاف والاختلاف في الرأي.. وبكل موضوعية، فإن هذه الظاهرة موجودة وعلى نطاق واسع في مجتمعاتنا.

النظرة الشوهاء للصلاح هي التي تطبع حياتنا.. ليس غريبا وجود قادة وزعماء ونخب يصلون ويصومون ويحجون، لكنهم في ذات الوقت يكذبون ويضللون، ولا ينضبطون بقواعد الخصومة والخلاف، وهذا ما يعمّق الأزمة.. أزمة الخلق المسلم المعاصر، وحتى يكون كلامنا واضحا، فإن هذه الأزمة تشمل كافة تيارات ومكونات الأمة وليست مقتصرة على تيار بعينه، أو جماعة بعينها، وتطال حتى تلك التيارات التي لا تتخذ الإسلام مرجعية لها.

 

إذا هي أزمة عامة ويجب أن تتكثف الجهود من الجميع لعلاجها ووضع حلول لها.

التعليقات : 0

إضافة تعليق