غباي مرآة حزب "العمل"

غباي مرآة حزب
عين على العدو

مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية/  إسماعيل مهرة

تصريحات رئيس حزب «العمل» الأخيرة المتمسكة باستمرار المشروع الاستيطاني، والمتنكرة للحقوق الفلسطينية، وتلك العنصرية ضد فلسطينيي الداخل، والمتماهية سياسيًا مع مواقف نتنياهو السياسية؛ أثارت بعضًا من زوبعة إعلامية، وكأن غباي قال ما يُعتبر خروجًا عن الأيديولوجيا والخطوط السياسية الحقيقية لحزب «العمل»، فانهالت بعض الانتقادات عليه، حتى من ممثلة المعسكر الأكثر تشددًا داخل «المعسكر الصهيوني» تسيبي ليفني، ووصفته صحيفة «هآرتس» بالليكودي الذي يسيطر على حزب «العمل»، وهناك من اعتبر أقواله مجرد شعارات اضطرارية لجذب مصوتي «الليكود» و»يوجد مستقبل».

 

والحقيقة ان غباي بشخصيته وخلفيته وثقافته يختلف عمّن سبقوه في رئاسة الحزب، ليس فقط لأنه من أصول مغربية، فقد سبق لعمير بيرتس ذي الأصول المغربية وبن اليعازر ذي الأصول العراقية أن ترأسا حزب «العمل»؛ ولكنه يختلف عنهما بمكانة الدين اليهودي في شخصيته، فلأول مرة في تاريخ حزب «العمل» يقوم حاخام رئيس سابق (ديفيد لاو) بافتتاح اجتماع كبير للحزب بقراءة بعض فصول التوراة الخاصة، ومن خلفه تطل صورة بن غوريون الذي قاد صراعًا مع الأصوليين، وغباي لم يصعد من صفوف حزب «العمل» ولم يكن له نشاط سياسي سابق سوى فتره محدودة كوزير للبيئة رشحه لها رئيس حزب «كلنا»، فقد جاء إلى الوزارة وإلى حزب «العمل» مباشرة من مجال الأعمال الاقتصادية، والأهم انه كان أقرب إلى «الليكود» وصوت سابقًا لصالح حزب «الليكود».

 

كل ذلك يجعله متحررًا من قناع العلاقات العامة، الذي يضطر قادة حزب «العمل» إلى وضعه، ويجعله أكثر صراحة واستقامة في الحديث، وهو الأكثر تعبيرًا عن سياسات حزب «العمل» التاريخية والراهنة فيما يتعلق بالاستيطان والتسوية السياسية، لكن لدهشة ما يسمى بمعسكر السلام فإن غباي يكشف عورتهم ويفصح عن وجههم الحقيقي، ولا يغطي على حقيقة عنصريتهم ومشروعهم الاحتلالي والإحلالي بالكثير من مساحيق التجميل، والإكثار من الحديث عن السلام والتعايش بجمل غامضة وعمومية.

 

الغضب من تصريحات غباي لا ينصب على جوهر مواقفه المعلنة، ولا يطال حتى سعيه الكبير لضم يعلون لحزب «العمل»، يعلون الذي يعلن ان الضفة يمكنها ان تستوعب مليون مستوطن آخر وأن السلام مع الفلسطينيين غير ممكن، فبماذا تختلف مواقف غباي عن مواقف قيادات حزب «العمل» قديمًا وحديثًا؟، فقد قال وفعل ذات الشيء رابين وبيرس، ومن بعدهم واصل طريق الاستيطان وخنق وحصار الفلسطينيين كل من باراك وبن اليعازر، كما ان قادة حزب «العمل» الذين توجوا شارون قائدًا عظيمًا لهم بالتأكيد لا يقصدون حقيقة انتقاد جوهر تصريحات غباي، فمن قبله أعلنت شيلي يحيموفيتش (رئيسة سابقة لحزب «العمل») ان المستوطنات تشكّل إجماعًا إسرائيليًا، والرئيس السابق للحزب هرتسوغ أمضى فترته الرئاسية وهو ينتظر دعوة من نتنياهو لضمه لحكومته؛ إلا ان جوهر الانتقاد والهجوم على غباي يطال ما قام به من وضع حد لحملة تسويق الأوهام وسياسات التضليل والخداع والرقص في كل الحفلات والمناسبات، فتاريخيًا حزب «العمل» قام بتقديم نفسه كحزب اشتراكي معتدل علماني يسعى لصنع السلام، واستطاع أن يسلب الأرض ويمارس الاحتلال والقتل من جهة، ونال الدعم والقبول في نفس الوقت من جهة أخرى، فكان الأكثر صهيونية وعنصرية وعداءً للعرب واستعلاءً، واحترف ممارسة الانتهازية والعلاقات العامة ولعب دور الضحية.

 

لا فروق جوهرية فيما يخص الصراع بين غباي ونتنياهو وبينيت وليبرمان؛ فجميعهم أبناء موالون للصهيونية فكرًا وممارسة، ومواقفهم من الصراع تخضع لذات المرجعيات الأيديولوجية، لكنها تتأثر بالواقع الذي يؤثر فيها مدًا أو جزرًا بحسب مضادات المقاومة للمشروع الصهيوني، وعندما يتراجع أحدهم خطوة نتيجة الاضطرار فإن جميعهم سيتراجعون بذات المقدار تقريبًا، ولكن بتفاوت التوقيت، وأي اختلاف في مدى وتوقيت التراجع سيرتبط بمتغيرات لها علاقة بطبيعة الحزب وحجمه وموقعه في إدارة دفة الحكم، ويمكن تطبيق ذلك على تغير موقفهم تاريخيًا من تسوية الصراع مع الفلسطينيين.

 

غباي - إذ يعلن حقيقة مواقفه وحقيقة مواقف حزب «العمل» دون مواربة وتغليف - يوجه سهامه لاصطياد أصوات مترددة تدور في فلك «الليكود» ولبيد، وحتى «شاس» وليبرمان؛ فهو يسعى إلى ان يقدم نفسه كمزيل للفوارق، وخيار مشترك باعتباره صهيونيًا يمينيًا يعترف بصعوبات الواقع السياسي، وشرقي ويفهم لغة ومصالح رجال الأعمال، ولديه قدرة على التعاطف مع الفقراء، فهو من أصول فقيرة، وللدين مكانة قوية في شخصيته، ولا يدرك ان عنصرية المجتمع الصهيوني ضد العرب هي ذاتها التي ستنظر إليه على أنه المرشح الأفضل للتنافس على المكان الثاني، كما انه في طريقه لاصطياد الأصوات المترددة يخلق حالة من التشويش والصراع والاستنكار داخل معاقل شبيبة وكيبوتسات حزب «العمل» الذين تربوا على «أطلق النار واصدح بالغناء للسلام».

 

نجاحات حزب «العمل» في التمويه على حقيقة مواقفه ساهم بها عن غير قصد موقف السلطة المتهاون تجاه حزب «العمل»، فتمييز السلطة بين حزبي «العمل» و»الليكود» وتفضيلها الأول على الثاني وشعورها بأن مصير التسوية مرتبط بحزب «العمل» ووجوده في السلطة؛ جعلها تتجاهل أحيانًا مواقف الحزب، ولا تشترط الالتقاء بقادته باعترافهم المسبق بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته على أراضي الـ 67، وقد جاء الوقت لاشتراط أي لقاء مع أي صهيوني باعترافه بحقوق الشعب الفلسطيني وموافقته على إزالة المستوطنات التي بنيت داخل أراضي الـ 67، فلا قيمه لأي علاقة مع معسكر سلام يدعم الاحتلال.

التعليقات : 0

إضافة تعليق