غزة بحاجة إلى مصانع لا إلى أجهزة أمنية... حماد صبح

غزة بحاجة إلى مصانع لا إلى أجهزة أمنية... حماد صبح
أقلام وآراء

بقلم : حماد صبح

تفاجأنا مثل كثيرين غيرنا بالقرار الذي اتخذه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بفتح باب التجنيد في غزة بقصد ، مثلما قيل ، إعادة هيكلة المؤسسة الأمنية فيها ، وبعد ذلك قرأنا أن التجنيد سيقتصر على أبناء العسكريين المتقاعدين ! ثم قرأنا على لسان مصدر مطلع في رام الله أن قرار التجنيد مازال حبرا على ورق ، والسبب أن الظروف لم تتهيأ لتنفيذه ، وفسر غياب التهيئة بأن حكومة الوفاق لم تتمكن حتى الآن من تولي مهامها في غزة ، وبأن قوى الأمن الخاصة بالسلطة لم تفتح المكاتب والمقار الخاصة بها . ونعود إلى مفاجأتنا بقرار التجنيد لنقول إن غزة ليست في حاجة إلى مجندين جدد للعمل في أجهزتها الأمنية ، فللسلطة فيها ما يكفي من المجندين حتى لو تقاعد عدد منهم أيا كان قدره ، فما الحال إذا كانت السلطة هي التي فرضت على الآلاف منهم التقاعد المبكر ؟! ولدى حماس عدد كاف من الأجهزة الأمنية ، وما نتحدث عنه هنا هو الأجهزة الخاصة بالجانب المدني من شرطة أمن عام وشرطة مرور ومباحث جنائية .

 

السلطة في هذا الجانب يمكنها أن تكتفي بمجنديها السابقين الذين توقفوا عن الاضطلاع بمهامهم طوال سني الانقسام التي تخطت العشر بثلاثة شهور ، وهؤلاء مؤهلون خبرة وسنا لمواصلة الاضطلاع الآن بتلك المهام . وماذا لو صدقنا نية ، ونتكلم بضمير الجماعة تأدبا وتأكيدا لجماعية المسئولية ، وضممنا لمجندي السلطة إخوانهم من مجندي حماس ؟! لن تعترض حتى إسرائيل ، رغم ما تقوم به أحيانا من تمحكات ابتزازية سخيفة ، على ضم شرطة حماس ذات المهام المدنية إلى شرطة السلطة ذات نفس المهام ، إذن لماذا المزيد من المجندين ؟! ولماذا التمييز بين أبناء الشعب الواحد ، بل بين  أبناء الأسرة الواحدة حيث نجد فيها مجندا أو أكثر مع السلطة ومجندا أو أكثر مع حماس ؟! إنها العقلية الفئوية المرتابة التي لا ترى الشعب الواحد والوطن الواحد ، وتتجمد عند رؤية الفصيل الواحد . والمسألة في الحق أبعد وأخطر من هذا ، وصفوتها المختصرة أنه لا ينظر للمجتمع الفلسطيني في الضفة وغزة إلا من زاوية أمنية بحتة ، وهذه في أصلها زاوية نظر إسرائيلية ، وبديهي أن الأمن المقصود هو الأمن الإسرائيلي لا الأمن الفلسطيني بمعنييه الوطني والاجتماعي .

 

وبرهان ما نقول أن الفلتان الأمني انفجر في غزة والضفة في كنف وجود 12 جهازيا أمنيا للسلطة ، وتفاقمت المشكلات والصراعات العائلية ، واعتدي على المدارس والمستشفيات وسواهما من المرافق العامة ، وتركت السلطة الناس يحلون مشكلاتهم وصراعاتهم بالقضاء العشائري ، وفاض كيل الغضب والاستياء بالناس حتى إذا كانت انتخابات تشريعي يناير / كانون الثاني 2006 انتخبوا حماس . من البداية ما كان واجبا التركيز على الناحية الأمنية في إدارة السلطة لشئون الناس ، وكان الأوجب التركيز على غرس أسس صحيحة لمجتمع مدني يوحد قوى الشعب ، ويولي الاقتصاد والصحة والتعليم الاهتمام الأول ، وهذا ما نبه إليه إدوارد سعيد ياسرَ عرفات حين قال له إن واجبه لم وضم طاقات الشعب الفلسطيني نحو هدف وطني واضح محدد ، فرد أبو عمار على تنبيه ونصيحة إدوارد بأنه يقرأ كتاباته قبل النوم ! يعني لتجلب له النوم ، يعني أنها خفيفة مسلية من نمط «روايات عبير « مع تقديرنا لما في بعض تلك الروايات من فن روائي رفيع ، يعني أن تنبيه سعيد ونصيحته لا قيمة لهما .

 

 

بدلا من تجنيد آلاف الشبان في الأجهزة الأمنية كان الأحق والأجدى خلق مجالات عمل لهم في مصانع متنوعة ، فالذين التحقوا بالأجهزة الأمنية كان حافزهم كسب لقمة العيش . ومن هذه الزاوية هدد باراك ياسر عرفات بأنه يستطيع أن يلغي كل أجهزته الأمنية بفتح مجال العمل لعناصرها في إسرائيل .

 

ويمكن للفلسطينيين أن «يقتحموا « موسوعة جينز للأرقام القياسية في ارتفاع نسبة عناصر الأجهزة الأمنية قياسا بعدد المواطنين ، فوفق إحصائية لوزارة المالية الفلسطينية في 2012 ، أي قبل خمس سنوات ، كان موظفو السلطة 155 ألفا و671 موظفا منهم 65 ألف رجل أمن ! في أي بلد يمكن وجود هذه النسبة بين الموظفين المدنيين والعسكريين ؟! سؤال لا موجب له ، فلا وجود لها إلا في غزة والضفة .

                                    *** 

اتفاق أوسلو يحظر على السلطة امتلاك سلاح وطني للمقاومة ، وهو ما تلتزم به السلطة ، ويتبقى جانب الأمن المجتمعي ، وهذا الأمن لا يحتاج إلى عشرات الآلاف من العناصر الأمنية ، يحتاج إلى عدة آلاف ، والانصراف إلى خلق اقتصاد منتج قوامه الصناعة التي تستوعب الذين يتكدسون في الأجهزة الأمنية ، وكثرتهم الغالبة لا عمل لها . هذا ما يبني المجتمع الحيوي القوي المعتمد على ذاته إلا في القليل الذي لا يصيب هويته الوطنية بالعطل والشلل . غزة ، ومعها الضفة قطعا ، في حاجة إلى مصانع لا إلى المزيد من عناصر الأجهزة الأمنية ، وكم كان سارا لو أن القرار الذي اتخذه رئيس السلطة اتجه إلى تعيين مدرسين وأطباء وممرضين جدد للتخفيف من كارثة البطالة في غزة التي يقاسيها 60 % من القوة القادرة على العمل ، ولتحسين أداء التعليم والصحة اللذين يعانيان من نقص كبير في المدرسين والأطباء والممرضين وغيرهم من المهنيين اللازمين لهما .

التعليقات : 0

إضافة تعليق