وتواصوا بالحق!

وتواصوا بالحق!
دنيا ودين

محمد شحادة

مع إرشاد ودعوة ربانية عظيمة ، تحمل في طياتها استقامة وخيراً للجميع فرداً وأمة، فهي دعوة إلهية وأمر رباني «وتواصوا بالحق»

نقف عند قوله الله -تعالى- في تلك السورة العظيمة مع قصرها سورة تبين كيف ننجو عند الله -سبحانه وتعالى- وكيف نكون من الرابحين الذي يربحون وجودهم ويربحون حياتهم في هذه الدنيا حين قال -سبحانه وتعالى-: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر: 1- 3].

 

 هذه دروب النجاة في هذه الحياة التي خلقنا الله -تعالى- فيها للابتلاء والاختبار، خلقنا الله -تعالى- لنحسن العمل فالطريق إلى النجاة والطريق إلى إحسان العمل هذا هو الدرب هذه هي الطرق.

 

 (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) الأمة التي تتواصى بالحق وتتناصح بالحق، الأمة التي يحرص كل فرد فيها على الحق وعلى إبطال الباطل سوف تكون أمة قوية يسري فيها الخير ويفشو فيها الحق.

 

 الحق : إذا سرى في الأمة وإذا فشا في المجتمع حينئذ كان مجتمع القوة والعزة والمجد؛ لأنه لا يهلك المجتمعات ولا يبيد الحضارات ولا يفني الأمم إلا شيوع الباطل وإلا غلبة الشر وإلا انتشار الفساد، إذا انتشر الفساد في أمة في المجتمع في الأسر في الأسواق في الدوائر؛ إذا انتشر الفساد ولم يكن هناك ثمة من يقف في وجه هذا الفساد فإنه حينئذ يقضي على الأمة والمجتمع والحضارات.

 

 فمن الشرف العظيم الذي أتاحه الله لك؛ شرف عظيم لك ورفعة لك أن يجعلك الله -تعالى- حارسًا للحق، وأن يأمرك الله أن تكون حاميًا للفضيلة، فحماية الفضيلة وحراسة الحق والذود عن القيم والفضائل ليست مهمة فئة قليلة من الناس؛ إنه واجب كل مسلم إذا أراد أن ينجو فعليه أن يكون حارسًا للفضيلة، عليه أن يكون حاميًا للحق يتواصى بالحق مع المؤمنين مع مجتمعه مع الناس كلهم.

 

 الحق به قامت السماوات والأرض، قال –تعالى:(مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) [الروم: 8]، فالحق به قامت السماوات والأرض، وإذا نُحِّي الحق جانبًا وإذا انتشر الباطل وإذا استشرى الفساد، وإذا انتشر الشر فحينئذ كبِّر على هذه البلاد وعلى الأمة التي انتشر فيها الباطل والشر والفساد.

 

 لذلك كان من أهم أسباب الربح والنجاة إنما هو أن يقف الناس جميعا كلٌ في دائرته وكلٌ في الموقع الذي فيه كل في مجاله يقوم ليدافع عن الحق وليدفع الباطل وليصد الفساد كلٌ في موقعه ومجاله.

 

 وإذا تخاذل الناس عن ذلك وإذا تراجعوا وإذا لم يقوموا بهذه المهمة لم يدفعوا الفساد ولم يدفعوا الباطل، وفسحوا للشر الطرقات فحينئذ تدمر الأمة كلها وتصلى كلها العذاب والوبال والضيق.

 

 لذلك قال –تعالى)(وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ( كلٌ منكم كلّفه الله أن يدافع عن الحق، وأول دائرة يجب علينا أن نتواصى فيها بالحق دائرة الأسرة في أسرنا، كلٌ منا مأمور أن يأمر زوجته وأولاده وأبويه أن يتمسكوا بالحق.

 

 المرأة تأمر زوجها وأولادها، والرجل يأمر زوجته وأولاده، والأولاد يأمرون آباءهم كذلك بالحق إن وجد الولد والديه بعيدين عن هذا الحق.  فأول مجال ينبغي أن ترسخ فيه قيم الحق وأول مجال يجب أن يدفع عنه الباطل إنما هو الأسرة؛ لأن الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع، وإذا كانت اللبنة الأولى في المجتمع نقية نظيفة متماسكة كان المجتمع كله كذلك، وإذا أصاب النخر الأسرة حينئذ أصاب النخر عموم البلاد.

 

 من هنا كان أول ما ينبغي أن توجِّه إليه نصحك وتوجيهك وإرشادك هم الأقربون إليك، قال الله -تعالى- في القرآن الكريم (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) ابدأ بمن حولك، ابدأ بأسرتك (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [التحريم: 6].

 

 إذاً جاءت توجيهات الله -سبحانه وتعالى- لكل مؤمن أن يبدأ أول ما يبدأ في التواصي بالحق أن يبدأ بأسرته؛ لأن الأسرة هي نقطة الانطلاق، ولأن الأسرة هي لبنة البلاد، ولأن الأسرة منها يبدأ الصلاح ومنها يبدأ الشر والفساد.

 نعم أسرتك هي رعيتك التي استرعاك الله -عز وجل-، أولادك وزوجتك هم الذين جعلك الله راعيا عليهم.

 

  واقرأوا هذا الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن معقل بن يسار -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما من عبد يسترعيه الله رعية ولم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة» اللهم أجرنا يا رب العالمين.

 أرأيتم هذا الحديث الخطير «ما من عبد يسترعيه الله رعية» يعني جعلك مديرًا جعلك مسئولاً عن أسرة أو عن عمال أو عن قوم، أو عن أي أمر من الأمور، «ما من عبد يسترعيه الله رعية ولم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة».

 

 فأولادك وزوجتك هم أول رعيتك الذين يجب أن تحيطهم بنصحك، إذا وجدت خللاً يجب عليك أن تنهض لتصوب الخلل، إذا رأيت انحرافًا عليك أن تقوم لتصحح هذا الانحراف، إذا رأيت شرًّا أو فسادًا سرى في أسرتك عليك أن تهب وتقوم بحكمة ولين ورفق لتنظف أسرتك من الفساد؛ لأن هذا هو النصيحة لأسرتك.

 

 «ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها « واسمعوا إلى هذا التعبير الرائع «لم يحطها» من الإحاطة يعني يجب أن تكون نصيحتك شاملة لهم مستوعبة لهم جميعًا، «لم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة» اللهم أجرنا يا رب العالمين.

 لذلك وجدنا -أيها الإخوة- سيد الخلق سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- أول من يرعى أسرته ويحيطها بنصحه، كيف كان النبي لا يسكت على خطأ في أسرته ويبادر إلى التنبيه والإرشاد ويبادر مباشرة إلى التوجيه إلى ما هو الحق (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقّ).

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق