تغلق غرفة المعيشة بالشمع الأحمر

"القروبات العائلية".. صلة رحم الكترونية

محليات

 

الاستقلال/ رشا أبو جلال

لطالما كانت غرفة المعيشة في منزل العائلة هي الحاضنة لأفراد الأسرة ومكاناً لتجمعهم للتسامر والدردشة وتبادل المواقف العابرة والنكات، على وقع صوت "طقطقة" الفشار والبزر المحمص الذي كانت تعده الأم للتسلية في ليالي السمر العائلية، إلا أن كافة هذه المظاهر باتت خجولاً للغاية وربما دفنت تماماً في عرف معظم عائلاتنا، بفعل انتشار التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي المختلفة.

 

دون انذار مسبق، انتزعت هذه المنصات الإلكترونية دفء العائلة، وحولت الارتباط المباشر بين أفراد الأسرة إلى قروبات تواصل تعيقه الحوائط والبنيان، وأصبح لكل فرد اهتماماته وهواياته الخاصة، بعد أن كانت غرف المعيشة المهجورة تجمع أفراد العائلة على طاولة واحدة.

 

أم ياسر الترك (52 عاماً)،  ربة منزل ولديها 7 أفراد يبلغ أعمارهم اليوم بين (32 -15 عاماً) تقول إنها حولت غرفة المعيشة الخاصة بالعائلة التي تحتفظ بين جنباتها ذكريات طويلة للعائلة، إلى غرفة خاصة لاستقبال الضيوف، بعد أن باتت مهجورة في ساعات المساء بسبب انشغال أفراد أسرتها في خصوصياتهم.

 

وأضافت الترك لـ"الاستقلال": "لقد أفرغنا هذه الغرفة التي كانت غرفتنا الرئيسية لسنوات طويلة من كافة محتوياتها التي تحمل ذكريات ومواقف وساعات جميلة للغاية واستبدلناها بطقم كنب من أجل الضيوف، فلم يعد أي أهمية للتلفاز الذي كان أطفالي يتربعون لمشاهدة مسلسلاته، ولا للفرشات الأرضية التي كانت تجمعهم وتضمهم".

 

وأوضحت أن أبناءها أصبحوا منشغلين للغاية بهواتفهم النقالة وأنشأوا مجموعة خاصة عبر تطبيق واتساب لأفراد العائلة للتواصل فيما بينهم مستغنين بذلك عن التواصل المباشر الذي يمنحهم الود والحب فيما بينهم، حتى باتت طاولة الطعام هي الفرصة الوحيدة التي تجمعهم في مكان واحد لبرهة قصيرة من الزمن .

 

وتابعت أن المجموعات العائلية التي أنشأها أبناءها عبر تطبيقات الهواتف للتواصل فيما بينهم، انتزعت كل ما هو اجتماعي بين أفراد العائلة، فعندما يمر أحد أفراد الأسرة بموقف ما، أصبح يكتب أحداثه عبر هذه التطبيقات مع إضفاء الرموز التعبيرية عليها من أجل خلق الشعور المطلوب، بعد أن كان يسرد الموقف بشكل منطوق وبلغة الجسد التي تمنح الشعور الحقيقي أمامنا".

 

تفكيك الروابط الأسرية

 

فيما تستذكر مرام حميدة (23 عاماً) كيف كانت تقضي معظم وقت المساء قبل نحو 10 سنوات في غرفة المعيشة الخاصة بعائلتها برفقه شقيقاتها الثلاث، ويحيط بهن أشقاؤها الكبار الذين كانوا يتسامرون في أجواء ودودة للغاية.

 

تقول حميدة لـ"الاستقلال": "إن منصات مواقع التواصل الاجتماعي جعلت العلاقات الاجتماعية بين الناس في البلدان المختلفة قوية، ولكنها جعلت أيضاً علاقة المقربين بين بعضهم ضعيفة للغاية، لذلك فإنني اعتبر أن المساوئ هي أكبر من المحاسن بالنسبة لي".

 

وأوضحت أن أفراد عائلتها أصبحوا متفرقين في زوايا المنزل ولا يجمعهم سوى مجموعة عائلية عبر تطبيق فيسبوك، يرسلون خلالها المواقف العابرة والصور الشخصية، مشيرةً إلى أن هذه المجموعة هي البوابة الوحيدة التي تستطيع من خلالها العثور على أحد أفراد العائلة في أي وقت.

 

وأضافت: "اشتاق كثيراً لتلك الأيام التي كنا نتحدث فيها وجها لوجه، حتى في المرات القليلة التي نجتمع فيها سوياً كأفراد عائلة في مكان واحد، نجد أن حديثنا ينتقل من الوضع المباشر إلى المجموعة العائلية عبر فيسبوك حتى أصبحت تحتل واقعنا بشكل عميق".

 

نتائج وآثار

 

المتخصص في علم النفس الاجتماعي، د. درداح الشاعر، يرى أن الهواتف المحمولة أصبحت جزءاً أساسياً في حياة البشر من مختلف فئاتهم الاجتماعية، حتى أصبح يتخلخل في حياة الإنسان الشخصية بشكل كبير، الأمر الذي أثر سلباً وإيجاباً على حياته العامة.

 

وقال الشاعر لـ"الاستقلال": "السلبي في هذا الأمر أن الهاتف المحمول بات أكثر جاذبية للإنسان من الجلسات العائلية التي فقدت متعتها أمام ما تقدمه هذه الهواتف من منصات ومواقع اجتماعية وبرامج ترفيهية".

 

وأضاف: "كما أن بعض الجلسات العائلية قد تحمل طابع المعاتبة وتكون مشحونة بالتوتر بسبب بعض المواقف العائلية، وهذا شجع أيضاً الهاتف النقال لتحقيق انعزال أفراد الأسرة وتفككهم عن بعضهم".

 

ولفت الشاعر النظر إلى أن التواصل الاجتماعي لا يتوقف عند ممارسة اللغة المكتوبة أو بالحديث غير المباشر من خلال الهواتف، إنما بلغة الجسد التي تحافظ على دفء العلاقات وودها بين أفراد الأسرة الواحدة، وهذا يتطلب منه أن يكون الاحتكاك مباشراً وليس عبر تطبيقات ومنصات التواصل الاجتماعي.

 

وبيّن المتخصص في علم النفس الاجتماعي أن هذه القضية تتعلق بشكل أساسي بمنطق الانجذاب، "فإذا ما انجذب الفرد إلى المنصات الإلكترونية يصبح مدمناً عليها، وهذا يسبب ليس فقط التوقف عن الجلسات العائلية إنما تقطع العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأسرة الواحدة ولا يعود هناك اكتراث لمستقبل الأسرة ولا يعود هناك اهتمام لمناقشة قضاياهم ومواضيعهم المشتركة".

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق