حرية المواطن والإعلام السياسي

حرية المواطن والإعلام السياسي
أقلام وآراء

جميل عبد  النبي

من أهم معايير تصنيف الدول من حيث الرقي من عدمه، هو القدر الذي توفره الدولة لمواطنيها من الحريات العامة التي في الغالب تنص عليها حتى دساتير الدول والسلطات التي تنتهك هذه الحقوق، فبقدر ما توفره السلطات من مساحة للحرية الفكرية والسياسية والإعلامية والشخصية، ترتقي في سلم تقييم الرقي الإنساني، والعكس صحيح أيضا، فالدولة التي لا تجد حرجا في الاعتداء على هذه الحريات لا تعتبر من الدول الجديرة بالاحترام .

 

ويمكننا القول أيضا أن أهم وظائف الدولة الحديثة يتمثل في توفير أجواء من الحرية الحقيقية، التي تتيح للمواطنين ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، ومن ثم تمكنهم من الانطلاق نحو الإبداع في كافة المجالات، فالمواطن الطبيعي لا يستطيع أن يمارس أنشطته الطبيعية، طالما لا يشعر بالأمن، وطالما يشعر بوجود جهة متنفذة ترقب كل حركاته، بدواعي لم تعد مقنعة وفقا للمعايير الإنسانية المعاصرة، من هذه الزاوية يمكننا فهم ما من الله به على قريش بقوله: « الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف» فالجوع والخوف كلاهما من شأنهما تعطيل حركة الحياة الإنسانية الطبيعية.

 

الحرية إذن ليست ترفا زائدا يمكن للدولة حرمان المواطن منه، وإنما حق طبيعي للمواطن من جهة، وواجب أساسي من واجبات الدولة من جهة ثانية، ليس من حقها أن تتنصل من توفيره، وإلا فهي دولة فاشلة ليست جديرة باحترام هؤلاء المواطنين.

 

هذه المسألة لم تعد محل نقاش في الدول المحترمة، فلقد تم تجاوزها منذ مئات السنين، حيث تحولت مسألة الحريات إلى أقدس المقدسات، فلم يعد بمقدور الدولة هناك أن تمس بها متى شاءت، كما أنها لم تعد معنية بالمساس بها وإنما تدعيمها، على خلاف ما يحدث في منطقتنا العربية التي لا يزال الحديث فيها عن الحريات مجرد حلم ترنو إليه أنظار المواطنين، ولا يزال دونه خرط القتاد - كما يقال - ومن هنا يمكننا أن نفسر ببساطة حجم التفاوت في مستوى النهضة بين تلك الدول، وبين دول منطقتنا العربية، التي لم تستطع بعد شق طريقها نحو الحرية الإنسانية الحقيقية.

 

في فلسطين: للمسألة نكهة مختلفة، فنحن لا نزال تحت الاحتلال بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، سواء هنا في غزة، أو هناك في الضفة الغربية، رغم وجود سلطات تحظى بشيء من أدوات الحكم الداخلي، إلا أنها محكومة بسقف الاحتلال، حيث لا يزال الاحتلال متحكما في كل التفاصيل السياسية والمعيشية، ولا يزال يمارس بطشه اليومي على الفلسطينيين، ما يعني أننا لا زلنا في مرحلة تحرر لم ننجزها بعد، والله وحده يعلم كم من الأجيال ستولد وتموت تحت قيد هذا الاحتلال.

 

في حالة كهذه: كان المتوقع أن تسعى السلطات المحلية التي تشكلت أصلا لتحقيق التحرر الوطني، ودائما تحت عنوان (حرية الوطن والمواطن) لتعويض المواطن عما يعتدي عليه الاحتلال من مستوى الحرية التي من حقه أن يتمتع بها، كأي إنسان طبيعي على هذه الأرض، ولو بالقدر الذي تسمح بها أدواتها وقدرتها على الفعل، فنحن ندرك أنها نفسها - أي السلطات المحلية - ليست حرة! وهي أصلا لم تدع ذلك، وبالتالي فنحن لا نطالبها بما لا تملكه، رغم أنها ادعت أنها أنشئت من أجل تحقيقه والحصول عليه، ومع ذلك يمكننا أن نتفهم الواقع السياسي المحيط بها، الذي يمنعها من تحقيقه، لكننا لا يمكن أن نتفهم اعتداءها حتى على ما هو تحت أيديها، بينما كنا ننتظر منها أن تعوض ما اعتدى عليه الاحتلال! هنا تبدو المسألة في غاية الغرابة، حيث من غير المعقول أن يخضع المواطن لتضييق مركب، جزء منه ترتكبه الجهات التي قالت أنها تشكلت للدفاع عنه.

 

إن إحدى أهم مظاهر الحرية التي يجب أن تظل مقدسة، لا يجوز المساس بها أبدا، تتمثل في قدرة المواطن وحقه على أن ينتقد الواقع الفلسطيني بكل تفاصيله، سواء ما يتعلق منه بالبرامج السياسية التي تحدد مستقبله ومستقبل أبنائه، أو ما يتعلق بالآداء الإداري للحكومة الذي يمس أيضا وبشكل مباشر حياته اليومية، ما يعني أنها شئون تخصه هو أكثر من أي جهة أخرى، فمن غير المعقول أن يحرم من إبداء رأيه فيما يخصه، وهو الذي باسمه تقام كل الأهازيج، وعلى عاتقه تقع كل تبعات الأخطاء السياسية والإدارية.

 

حينما تلجأ السلطات للاعتقال على مجرد رأي لا يتوافق مع أهوائها، فإنها أولا: تسعى لإقصاء المواطن عن قضاياه هو، وليس عن قضايا لا تخصه، ثم ثانيا: تقوم بدور شبيه بدور سلطات الاحتلال في التضييق عليه وحرمانه من حقوقه الطبيعية، التي لم تعد محل نقاش في الدول المحترمة!

 

إن السلطات المحترمة لا تبحث عن المطبلين، فهؤلاء لا يكترثون بالمصلحة العامة والحقيقية، وإنما يدفعهم التملق لإرضاء المتنفذين بحثا عن مصالح خاصة، حتى لو كانت على حساب المصالح الوطنية، السلطات المحترمة تشجع النقد وتحفزه، فهو الذي يمكنها من وضع يدها على مواطن الضعف، ومن ثم البحث عن حلول لهذه المواطن، هذا إن كانت بالفعل تسعى لتحقيق المصالح العامة والوطنية! أما أن تخضع المواطن لحرمان جديد، يضاف إلى ما يحرمه منه الاحتلال، فهذا ما لم يكن يتوقعه المواطن المسكين، الذي بات يشعر بأن تكلفة البقاء صامدا في وطنه تفوق قدرته على الاحتمال.

 

لا يمكن ولا بأي شكل من الأشكال أن نتفهم خطيئة الاعتقال على الرأي، ولا مجرد أن تطلب أي جهة متنفذة منا ألا نقول ما نؤمن به، لأنه فقط لا يأتي في سياق ما تبحث عنه من التطبيل والتملق! كما أن على السلطات أن تفهم أنها لا تبني بذلك مواطنا حرا قادرا على مواصلة مشروع التحرير الذي لم ينجز بعد، وبالتالي لن يكون عونا لها في إنجاز مشروع التحرير، وإنما عبئا إضافيا سيحول دون تحقيق الأهداف الوطنية.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق