في ذكرى الوعد المشؤوم... حب الوطن من منظور إسلامي

في ذكرى الوعد المشؤوم... حب الوطن من منظور إسلامي
دنيا ودين

محمد شحادة

ما يجعلنا نعلنها مرات ومرات هو أن حب الأوطان من الإيمان، وأن كل مؤامرة حوله ، سيقف المسلمون ضدها ، ويدافعون عن وطنهم وشعبهم، وهذا ما يؤكده التاريخ والواقع من حركات التحرر الوطني الذي دهى دائماً رجال الدين الإسلامي، فيتصدون للاحتلال الجاثم على ارضنا ...

 

 

إن للوطن قيمة ومكانة سامية في الإسلام‏، وإن الانتماء للوطن ليس مجرد شعارات أو كلمات بل هو حب وإخلاص وفداء وتضحية، وأن الإسلام جعل حب الوطن والانتماء له جزءا من العقيدة وجعل الدفاع عن تراب الوطن واجباً مقدساً.

 

أكد علماء الدين أنه لا يجوز لمسلم أن يخون وطنه أو يبيعه مهما كان الثمن، كما لا يجوز الاعتداء على الوطن والنيل من مقدراته والعبث بممتلكاته، مهما لاقى الإنسان من ظلم وقهر.

 

أن الانتماء للوطن ليس مجرد شعارات أو كلمات تموت على الشفاه، بل هو حب وإخلاص وفداء وتضحية، فبقيمة الأوطان ترتقي الشعوب وبصلاح الأوطان تسعد البشرية، ذلك أن الوطن في مفهومه الواسع والشامل هو الأرض التي أمرنا الله عز وجل بإعمارها في قوله تعالى: “هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها” وقوله: “ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون”، والوطن هو الأرض والشعب والنظام والقيم، والإرادة والإدارة، وهناك قاسم مشترك بين الإنسان والوطن الذي يعيش على أرضه، ويتجسد هذا القاسم في التراب الذي تتكون منه أرض الوطن، فمن هذا التراب خلقنا وعليه نحيا وبداخله ندفن الى أن يبعثنا الله يوم القيامة قال سبحانه: “ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون”، فالإنسان خلق في هذه الدنيا للإعمار وليس الإفساد، والمؤمن الصادق هو الذي يعرف قيمة وطنه ويعلي انتماءه له فوق كل انتماء، فحب الوطن ليس ترفا أو رفاهة، بل هو واجب شرعي، كما أن الدفاع عن الوطن ضد المعتدين واجب شرعي أيضاً، لا يجوز التخلف عنه بغير عذر.

 

أن الإسلام جعل حب الوطن والانتماء له جزءا من العقيدة وجعل الدفاع عن تراب الوطن واجباً مقدساً، وتحمل لنا السيرة النبوية الشريفة مثالا رائعاً يجسد مكانة الأوطان في الإسلام وذلك عندما خرج الرسول الكريم ـ صلى الله علىه وسلم ـ مهاجراً من مكة المكرمة الى المدينة المنورة بكى صلى الله عليه وسلم ونظر الى مكة نظرة حزينة وقال كلمته المشهورة :“والله إنك لأحب بلاد الله الى الله وأحب بلاد الله الى نفسي ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت” فالرسول صلى الله عليه وسلم خرج مكرها وذهب للمدينة ليبلغ الرسالة ومع ذلك ظل قلبه يتجه نحو مكة التي ولد وعاش فيها ولم يطمئن قلبه صلى الله علىه وسلم حتى نزل عليه قول الله تعالى “إن الذي فرض عليك القرآن لرادك الى معاد”.

 

الإسلام علمنا أن حب الوطن من الإيمان فالإنسان بلا وطن لاجئ أو غريب لا يشعر بالحرية والكرامة ولا يعيش حياة طبيعية، ولا تتحقق الحرية والكرامة للإنسان إلا بالحياة في وطن ينتمي اليه ويدافع عنه ويحمل جنسيته ويلتزم بالواجبات التي يكلف بها ويطالب بالحقوق التي يرى أنها لم تتحقق، وهذا لا يحدث إلا في وطن الإنسان الذي ولد وعاش فيه مع أهله وأسرته، فإذا لم يكن له وطن ينتسب اليه ويحمل شعاره سيكون متطفلا على آخرين ولا يشعر بالكرامة والعزة.

 

أن الانتماء الى الوطن أو للإسلام ليس مجرد شعارات ولا عبارات شكلية، وإنما هو مسؤولية، فمن ادعى انتماءه وحبه لوطنه فعليه أن يقدم له الخير ويسعى للعمل على استقراره ويتعاون مع أفراده، أيا كان دينهم طالما ليسوا معادين أو محاربين للإسلام فقد قال تعالى:”لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم إن الله يحب المقسطين”. وكذلك من اختار الانتماء للإيمان عليه الطاعة والامتثال لأوامره، قال تعالى: “وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم” وقد جاءت الأحاديث النبوية لتنفي صفة الانتماء عن البعض بسبب سوء أفعالهم منها: “من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم”، و”ليس منا من غش مسلما أو ضره” و”من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا” و”ليس منا من دعا الى عصبية”و “ليس منا من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم”. والانتماء الى الوطن وحبه مسألة فطرية والإسلام دين الفطرة ولم يأت ليناقشها، إلا أن هذا الحب يلزمه ضوابط كما يؤكد الدكتور طه عبد الجواد - أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الأزهر - ويقول إن من بينها ألا يتعارض حب الوطن مع عبادة الله ونشر الدين، كما يجب ألا يكون حبي وانتمائي لوطني سبباً في بخس حقوق الآخرين ممن يشاركونني في هذا الوطن، فقد أوصى الله بحسن الجوار وإعطاء كل ذي حق حقه فقال سبحانه: “واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب”. ولأن حب الوطن فطري وتركه أمر صعب على النفس فإن الله وعد من ترك وطنه من أجل الدين بالأجر العظيم فقال سبحانه: “قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب”. وقد نعى الله من كان حب الوطن حائلا بينه وبين نشر الدين في أرجاء المعمورة فقال “يا أيها الذين أمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم الى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع”.

 

أنه لا يجوز لمسلم أن يخون وطنه أو يبيعه مهما كان الثمن، كما لا يجوز الاعتداء على الوطن والنيل من مقدراته والعبث بممتلكاته، مهما لقي الإنسان من ظلم وقهر، لأن الظلم يكون من إنسان مثله وليس من الوطن، فالأوطان لا تستحق من أصحابها ما نراه اليوم من عبث وتخريب وتدمير مهما رفع المعتدون من شعارات إصلاحية، فكيف يبدأ الإصلاح بالإفساد في الأرض وتدمير الأوطان؟!

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق