قبس من نار عتصيون.. عطاف عليان (5/4)

قبس من نار عتصيون..  عطاف عليان (5/4)
أقلام وآراء

بقلم المجاهدة: عطاف عليان ( 5/4)

تلذذت بالدعوات ولامست الطمأنينة قلبي، انتزعت سياج الخوف الذي أراد العدو لفه حولي. ربي لا أعلم ماذا يحمل غدي، لكن احتسب خطواتي وأنفاسي لوجهك، فلا تطردني من ظل رحمتك. فتحت السجانة طاقة الباب، نادت: تعالي خذي الأكل، لا جواب عندي فأنا بين يدي ربي، صليت ما شاء الله لي أن أصلي، تذللت بين يديه وأنخت إلى جناب بابه، تسربلت بثوب رحمته، ثم سلمت عن يميني وعن شمالي. ماذا تفعلين؟  فاجأتني المجندة بسؤالها كنت ظننتها قد ذهبت. أصلي صلاة المغرب. ماذا يعني ذلك؟ يعني أصلي لله. "لم تكن نفس المجندة التي شاكلتني صباحًا، يخيل إلى أنها من أصل روسي". نحن نصلي خمس صلوات في اليوم، لا نتركها أينما كنا، نشحن أرواحنا التي نفخها الله من روحه في آدم عليه السلام، نعبئ البطارية بهذه المحطات الخمس. "لم يكن الحديث معها سهلًا كونها لا تتقن اللغة العبرية أيضًا". أنت من المهاجرين الروس؟ سألتها. ردت بالإيجاب. يهودية أم مسيحية؟ ارتبكت قليلًا، ثم أجابت: يهودية. قلت لها: عام 1992م قامت إدارة السجن بعزلي إلى مركز توقيف الجلمة "في حيفا" مع الجنائيات، التقيت بسجينة من أوكرانيا، كانت تسألني كثيرًا عن صلاتي، اعترفت لي أنها مسيحية، ولكنها ادعت أنها يهودية كي تهرب من ظلم روسيا، استغلت عدم كتابة الديانة في بطاقتها.

 

أنت تكرهين اليهود؟ غيرت دفة الحديث. أنا أكره الظلم، الاحتلال ظلم كبير، الاحتلال ليس اليهود فقط بل يشمل من مهد لهم الطريق، بريطانيا ساهمت في ذلك، واليوم أمريكا، أنتم في الاتحاد السوفيتي كنتم تدعمون القضية الفلسطينية وتدعمون ثوارها، لكن بهجرتكم دمرتم كل شيء، أصبحتم عونًا للظلم. نحن جئنا للأرض التي وعدنا الله بها. (لسه إلك في القصر من أمبارح العصر) علقت ضاحكة. "شو يعني?" يعني هل تعرفين الله؟ هل مارست طقوس الديانة اليهودية؟ لا، أنا لا أومن بالدين؟ إذا كيف تؤمنين بوعد من لا تؤمنين به؟! جرس الإزعاج يرن، وضعت صحنًا على الطاقة، قالت سأعود لك مرة أخرى. استندت على الحائط، استطعت الوصول للطعام، أظن أن آلام جسدي قد خفت وطأتها، رأسي ما زال يحبسه الألم، الصحن يحوي ملعقة لبنة وشريحتي خبز، حملته وعدت للفراش، عادت المجندة لتكمل حديثها.

 

- أنا لا أشعر بوجود الله، فكيف أؤمن به؟ قلت لها: هذه مشكلتك، ولكني أشعر بوجوده في كل شيء، شريحة الخبز تلك أشعر به فيها، أشعر به في يدي التي تمسك الخبز وبأصابعي التي تناولت بها لقمة اللبنة، يملؤني وجوده في الشفتين التي التقمتاها، بأسناني التي قطعتها، بلساني الذي حركها ورطبها وهيأها للبلع، ببلعومي الذي استقبلها، بالمريء الذي أنزلها بهدوء إلى المعدة، كل حركة واكبت اللقمة ختمت بختم وجوده، فكيف لا أشعر بوجوده؟  لكن أنا أنظر إلى الموضوع بشكل عادي. عندما تفقدين قدرتك على الأكل، هل سيكون عاديًا؟! جربي أن تنظري إليه بطريقتي. طيب هل الله يطلب منكم تكونوا مخربين وتقتلوا وتفجروا حالكم؟ وهل الإنسانية تطلب منكم استلاب أرض غير أرضكم، تهجِّروا أصحابها، ثم تستقطبوا آخرين كي يسكنوها كما حدث معك؟ جئت من بلاد بعيدة.  كيف بتقدروا تفجروا حالكم؟!

 

الأوكرانية التي التقيتها في الجلمة حدثتني عن صديق لها، كان قد ذهب ليقاتل في أفغانستان مع الجيش السوفيتي، قالت إن الحكومة ضحكت عليهم عندما أوهمتهم أنهم ذاهبون إلى بلاد متخلفة بقصد مساعدتهم على التقدم والتعلم والعيش بسعادة. حدثتني عن صديقها الذي تفاخر بما فعله مع أصدقائه في الجيش مع مواطن أفغاني كان أسيرًا لديهم، فقئوا عينيه بأسياخ الشواء، قطعوا يديه ثم أذنيه، ثم لسانه ثم قاموا بقتله. قالت لي أن ما أخبرها به صديقها كان سببًا في تغيير نظرتها اتجاه الحرب، فمن يفقد إنسانيته لا يستطيع أن يكون رسولًا للخير، وأنها تنبأت أن ذلك سيعود عليهم بالويل. قالت أيضًا إنها شهدت جنودًا عادوا من أفغانستان وقد تحولوا إلى مافيات دمرت أمن السوفيت. وقالت إن صمود الأفغاني دلها على حقيقة الظلم الذي ستكوي نيرانه بلادكم. - نعم هذا ما شهدته أيضًا في بلادي. عقبت السجانة.

 

أكملت حديثي: تأكدي أن ما أجبر الفلسطيني على الاستشهاد هو حجم الظلم الذي وقع عليه، العمليات الاستشهادية، ما هي إلا نوع من أنواع الأسلحة التي استعملها أمام همجية الاحتلال، من أجل إعادة حقوقه المسلوبة. - ولكن بإمكانكم أن تعيشوا بسلام. - لابد أنه سلام شارون الذي تغنى به في دعايته الانتخابية، قلت ضاحكة. هل تعلمين؟ هناك عدد من الفلسطينيين لا هم لهم سوى أنفسهم، لا يقارعون الاحتلال، ولكن هل تركهم شرره؟ يكفي أن يذهب المرء من بيت لحم لرام الله لتذيقه الحواجز المنصوبة بأيديكم الذل والمهانة. فجأة، وجهت الحديث لوجهة أخرى: هل تعلمي أنه مختوم على ملفك بالأحمر وأنك خطيرة جدًا؟ ضحكت، أعلم ذلك. فكلما نقلت من سجن إلى آخر كنت أسمع نفس الملحوظة، وعلى أثرها يتم اتخاذ إجراءات مشددة في التعامل معي. وهل أنت خطيرة فعلًا؟ اكتفيت بابتسامة، قلت لها: أريد ماء، فمنذ الصباح لم أحصل على شربة ماء.  قالت: سأبحث لك عن قنينة أحضر بها الماء.

 

أغلقت المجندة نافذة الباب، لم أمنِ نفسي بالحصول على الماء، فمثل هكذا نقاش غالبًا ما يتم ترتيبه من قبل المخابرات، هم يسعون للحصول على معلومات قبل أن تبدأ جولات التحقيق ويسعون لتغيير وجهة نظرنا تجاههم، فكما يسعون لتغيير وجهة نظرنا تجاه الاحتلال، علينا أن نسعى لتغيير وجهة نظرهم تجاه المقاومة. مقاطع مبعثرة من قصيدة أحمد مطر خرجت من عالم اللاواعي: "لا تهاجر.. أنت مقتول على كل المحاور.. كل ما حولك غادر.. لا تدع نفسك تدري بنواياك الدفينة.. وعلى نفسك من نفسك حاذر". أذان العشاء القادم من بعيد امتزج بصوت حبات المطر التي تخر راكعة لجلال عظمته، كلاهما أحدثا جرسًا تراقصت عليه دقات قلبي وارتعشت مسامات جلدي، كم كان اليوم طويلًا، لو سابقته السلحفاة لسبقته وفازت عليه، يزداد الإحساس رهافة لكل همسة وكل حركة، ويزداد تلمسه لشفاء ما في الصدور، عجلة الحياة في الخارج تصنع حاجزًا من الرين على قلوبنا، تفقدنا نسبة كبيرة من دقة إحساسه.  لم تعد السجانة بالماء، كنت أعلم ذلك.

 

إذا لأصلِّ العشاء لعلي أستطيع سرقة بعض الراحة، استعدادًا للقادم. توجهت لبابه، أرحنا بها يا بلال، ما أجملك حبيبي سيدي أبا القاسم لم أفهم مشاعر الراحة التي تحدثت عنها، الآن وفي لهيب المصيبة فهمت مما تحدثت به، كنت أصلي كل يوم، لم أجد الراحة فيها كما الآن، آه سيدي، هل كانت كل أوقاتك دربًا من الآلام فاختار ربك أن تبني استراحتك في الصلاة، أرحنا بها يا بلال ونحن لم نذق شيئًا مما ذاقه الحبيب، حبيبي يا رسول الله حق لك أن تعيش الآلام ففيها اللحظة الأقرب إليه سبحانه، وهل هناك من هو أحب إليه سبحانه منك؟ إلهي وسيدي ومولاي هل تفتح لي فرجة من بابك بصبري حبا فيك؟ هل ستنظر إلي بعين رحمتك وأنا المفتقرة إليك؟ أتوسل بك إليك أن ترضى عني ولا تطردني من على باب رحمتك، تيممت، صليت، وتوسدت الفراش، شممت رائحة الدثار وسمعت دعاء أمي يسبق دعائي إليه، بكيت. فرحت. ونمت. 

يتبع...

التعليقات : 0

إضافة تعليق