قبس من نار عتصيون.. عطاف عليان (5/5)

قبس من نار عتصيون..  عطاف عليان (5/5)
أقلام وآراء

بقلم المجاهدة: عطاف عليان ( الجزء 5)

أصوات صراخ وشتائم، أقدام كثيرة أسمع وقعها على الأرض الخاوية كاشفة الأسرار، لابد أن هناك وجبة جديدة حصل عليها خفافيش الليل، كم من الليل مضى؟ لابد أنه تعدى منتصفه، هكذا تعودنا عليهم، صوت طفولي يرد على سؤال الجندي اسمي محمد، عمري عشر سنوات، من الخضر، حسبنا الله فيهم، كيف سولت لهم أنفسهم باختطافه من حضن والديه؟ ماذا سيكون حال أمه؟ هل ستستطيع التصالح مع فراشها؟! هل ستطيق روحها جدران بيتها؟! ماذا فعل هذا الطفل ليستحق إفزاع غفوته، وسلب دفئه؟! تمنيت لو أستطيع احتضانه لعلي أزيل برد كانون عن قلبه. اقتربت من الباب لعلي أمده ببعض السكينة كما أحيا فيّ الأمومة النائمة، صرخت أريد ماء لم أشرب منذ الصباح، كنت أعلم أنه لن يستجيب لي فلم يكن الماء وجهتي، بدأ يصرخ ويشتم وأنا لا اتوقف عن الطرق على الباب، أريد ماء، الله معك حبيبي، أريد ماء، أنت بطل حبيبي، أريد ماء، أبناؤنا كبروا قبل أوانهم، أريد ماء، هؤلاء جبناء، أريد ماء.

 

نفد صبر أحد الجنود، فتح طاقة الباب (مفيش مي سكري تمك، روحي نامي يا بنت ز.. يا...). لم تفشل محاولتي، رأيت طفلي الصغير، الأسمر. عيناه عينا عقاب أذبلهما النعاس، كان ينظر إلى ناحيتي وكأنه يقول لي وصلت رسالتك أمي، بجانبه وقف طفل آخر ربما يكبره سنًا أو هو أطول منه قليلًا، هدأ قلبي قليلًا، فقد رويت ظمأي من وجههما. أغلق الطاقة وبقيت واقفة بجانب الباب لعلي أسمع صوت أنفاسهما، لم يكونا وحدهما. سمعت السجان يخلي الزنزانة الملاصقة لزنزانتي ويضعهما فيها، بياض النهار انسلخ من سواده وهم ما زالوا يتعرفون على هويات المعتقلين، وما زالت هناك أبواب تفتح وأبواب تغلق.

 

لم أستطع سماع صوت أذان الفجر، لأول مرة أسابق الزمن في الزنزانة كي لا تضيع مني الصلاة، مفارقات عجيبة يصنعها الزمان والمكان، شتت هؤلاء الأطفال تفكيري؛ لكنهم أخذوا حصة كبيرة من دعائي. هدأت الأصوات وعاد سكون اللاسكون، ارتميت على الفراش الوثير الذي يحتل نصف مقصورتي، أحيانًا كثيرة نطلق الكلمة المضادة للمسميات تخفيفًا من وطأة عذابها، نوع من الحيل الدفاعية التي وهبها الله لعباده، أذكر عندما اتهمنا بخنق السجانة عام 1988م وضعوني والأخت إيمان نافع في زنزانة، فتحوا في بابها فتحة من الأسفل، كانوا يدخلون الطعام من خلالها، استشطت غضبًا، يعاملوننا معاملة الكلاب، بكل هدوء ردت إيمان: أنا أرى الصورة مغايرة، هم ينحنون لنا احترامًا عندما يقدمون لنا الطعام، ضحكت. من يومها بدأت بتسمية الأشياء كما تحلو لي لا كما يريدون.

 

 أخيرًا لاح صباح اليوم الثاني، ترى ماذا يخبئ لي بين ثنايا أثوابه، أصبحنا وأصبح الملك لله، مهما خبأ فالملك لله وحده. فتحت السجانة الباب، معها جنديان كل يتمنطق بسلاحه... يلا يلا قومي بسرعة. إلى أين؟ يلا بدون سؤال. أريد قضاء حاجتي، وأريد أن أشرب. وبعد جدال فيما بيننا ذهبت وأجرت مكالمة، عادت وقالت: ماشي تعالي للحمام لكن بسرعة. أريد شيئا ألبسه في قدمي. مفيش.

 

وكعادة هذه الأماكن، تكثر الضرورات وتستباح المحظورات، خرجت أجر نفسي لأصل بيت الراحة، ساعدتني حركتي البطيئة على استكشاف المكان، فعلًا لقد كان هناك باب مجاور لباب زنزانتي، أمامهما المساحة التي تمثل غرفة الاستقبال، ولجت بي ممرًا ضيقًا، عدة أبواب على جانبيه تصدر منها أصوات عربية تدوي كخلية النحل، لابد أنهم يزجون أعدادًا كبيرة في الزنزانة الواحدة، أفضى الممر إلى ساحة صغيرة جدًا أمامها كوخ خشبي صغير وآخر كبير، فإذا به مكان قضاء الحاجة، ولجته فإذا أرضيته مغمورة بماء النجاسة، أردت إغلاق الباب، رفضت، وأنا بدوري رفضت استعماله إلا بعد إغلاق الباب الذي هو أصلًا عبارة عن ألواح خشبية بينها فراغات تسمح لمن في الخارج التلصص على من في الداخل. أمي تسميه بيت الراحة، ولكن أنى تتأتى الراحة والسجانة تطرق الباب وتستعجلني وقدماي تغرقان في المياه القذرة، والبرد الذي قص عظام جسدي، لم أعلم أن البراز يضرب عن الخروج إلا ذاك اليوم، يهديك يرضيك ساعدني على التخلص منك! إلا أنه أبى أن يفارقني دون ممارسة طقوسه الخاصة في الاسترخاء، اضطررت لمغادرة الحمام والصبر على آلام بطني علَّ الله يجعل لي مخرجًا، مغسلة يغلفها السواد لا تستطيع تمييز لونها الأصلي وضعت ما بين الكوخ والزنازين، فتحت الصنبور، تدفق الماء، وهذه ميزة لا نراها في بيوتنا _فماؤنا تسرقه مستوطناتهم_، غسلت وجهي ويدي، شربت ما قدره الله لي تحت وطأة برودة الجو وبرودة الماء، ولجنا نفس الممر، ونفس الصالة، لكنها عرجت بي شمالًا، فتحت الباب، لامست عيناي ضوء النهار الذي خففت من حدته تلبد سمائه بالغيوم، كانت قد قيدت السجانة يدي وقدمي. بقدمين حافيتين صعدت درجات كنت قد خمنت عددها سابقًا، القسم لاح لي من الخارج، بيوت مؤقتة متراصة "كرافانات" يحيطها سياج كثيف، جندي فتح البوابة ذات الصيت السيء في الإزعاج، ثم أغلقه خلفنا وبقي رهينة داخله، السجانة واثنان آخران رافقا موكبي على الشارع، أينما وجهت وجهي أرى أسلاكًا تم زراعتها في كل مكان، أبراج حديدية عالية تحمل طبولًا كبيرة، صرخ أحمد مطر ساخرًا ألم أقل لك: "امض إن شئت وحيدًا، أنت مقتول على أية حال، سترى غارًا، فلا تمش أمامه، ذلك الغار كمين، يختفي حين تفوت، وترى لغمًا على شكل حمامة، وترى آلة تسجيل على هيئة بيت العنكبوت، تلقط الكلمة حتى في السكوت".

التعليقات : 0

إضافة تعليق