الفارس الصامت... د. خضر عباس

الفارس الصامت...  د. خضر عباس
أقلام وآراء

بقلم/ د. خضر عباس

ترجل اليوم الأحد (الثالث عشر من شهر رمضان المبارك-الخامس والعشرون من ابريل لعام 2021م) عن صهوة جوداه ذلك الفارس الصامت (احمد عبد الرحمن أبو حصيرة) عن عمر يناهز التاسعة والستين من العمر –ولد في العام 1952م، في غزة- بعد رحلة مضنية من الصراع والكفاح والجهاد المتواصل مع أعداء الله الصهاينة، في خارج المعتقلات الصهيونية، وبداخلها. حيث انخرط وهو ما زال في السادسة عشر من عمرة –في العام 1970- في تنظيم قوات التحرير الشعبية، وقام بأعمال عسكرية ضد العدو الصهيوني، أدت إلى اعتقاله في السجون الصهيونية في شهر نوفمبر عام 1971م، وحكم عليه بالسجن ثمان سنوات، قضاها بين إخوانه من شباب تنظيم قوات التحرير، الذي مثل الاتجاه الفكري نحو الإسلام البوصلة الفكرية للتنظيم. وشكل ذلك الثقافة والتربية والمنهج لأبناء التنظيم داخل السجون الصهيونية، مما شكل الشرارة الأولى التي انطلقت منها فكرة الحركة الإسلامية الأسيرة، التي شكلت فيما بعد نواة التيار الإسلامي الثوري، وبهذا تشكلت الركيزة الفكرية والنظرية لبناء تنظيم إسلامي وطني مقاتل في فلسطين، يحمل الإسلام فكرا ومنهج حياة، ويتمسك بالمقاومة، خيارا وواجبا دينيا ووطنيا في أن واحد، باعتبار أن الجهاد المسلح هو الرافعة الأهم لأي حركة إسلامية فلسطينية، تريد أن تنهض لتشكل إضافة جديدة في الواقع الفلسطيني.. وهو الأساس الذي اجمع عليه الأخوة المحررين من رحم الحركة الإسلامية الأسيرة، القاضي بوجوب الانطلاق بالمباشرة بإنشاء النواة لهذا التنظيم وعدم الانتظار.. وبحكم الجذر الوطني والتكوين الثوري للحركة الإسلامية الأسيرة داخل السجون، كان من الطبيعي أن تحسم خيارها، وتنحاز للاتجاه الذي يضم العمل الجهادي، بما يحمل من روى ثورية تمثلت في تبني فكرة تأسيس حركة إسلامية مجاهدة تمارس العمل المسلح ضد الصهاينة.

 

وهذا ما شكل معلما مركزياً في شخصية المجاهد (أحمد أبو حصيرة) وشكل له ذلك هما وطنيا وإسلاميا له في داخل السجون.  فقام الأخ (احمد) بمجرد خروجه من السجن بالتوجة لمنزل الأخ (مهنا) واخذ من إخوة المرحوم (محمد) بعض الوسائل القتالية, وبعد ان تم الاتفاق مع الاخ الدكتور (فتحي) على الاندماج سويا تحت قيادته من اجل بناء حركة الجهاد الاسلامي في فلسطين..  وهذا ما حدى بالأخ (احمد ابو حصيرة) بالاتصال في شهر مارس من العام 1982م بسجن السبع، حيث ابلغ الأخ (احمد مهنا) بذلك، من اجل ان يبلغ باقي الإخوة بداخل السجون، بالمباشرة عمليا بإنشاء تنظيم إسلامي مجاهد، بقيادة الأخ (فتحي الشقاقي)  كما تم في نهاية عام 1982م -اتصال بعض الاخوة منهم الأخ (حسين النخالة) وأخوة أخرين- بزيارة بعض الاخوة في السجن منهم الاخ (عبد المنعم العلان، والأخ زياد النخالة) في سجن المجدل، وادخال لهم على سبيل المثال (مجلة الطليعة الإسلامية).  ولذا فان عملية الفصل بين مرحلتين للحركة، واحده سياسية واخرى عسكرية، لم تسجل بتاتا في تاريخ الحركة، حيث تزامن العمل الفكري والسياسي مع العمل الامني والعسكري.. أي أنه لم يكن هناك فصل زمني في الحركة بين ممارسة البناء الفكري والسياسي والجماهيري، وممارسة العمل الأمني والعسكري، التي كان للأخ (أحمد أبو حصيرة) واخوانه بصمات بارزة عليها.

 

ومن هنا فان حركة الجهاد الاسلامي تعتبر الحركة الوحيدة في التجربة الإسلامية، التي بدأت منذ اللحظة الأولي لتأسيسها واقعا بالعمل علي تنظيم خلايا مسلحة تابعة لها، في ظل أعلى درجات السرية، بواسطة الاخوة المحررين الذين انتموا لها من داخل سجون العدو، مما ساعد في التسارع في بناء العمل العسكري، حيث أن الكثير من أعضاء الحركة، كانوا من السجناء المحررين -المعتقلين سابقا على قضايا وطنية ومنتمين لتنظيمات فلسطينية وطنية مقاتله -كتنظيم قوات التحرير الشعبية- حيث تم احتواء وتنظيم ذوي الخبرة والأسبقية في العمل العسكري من هؤلاء المناضلين كالاخ (أحمد أبو حصيرة) واخوانه السابقين.  وتجسيدا لقناعة الدكتور (فتحي الشقاقي) وإخوانه المحررين، تم البدء في عملية التحضير للقيام بالعمل العسكري بجميع أشكاله.  ولذا كان الاخ (احمد ابو حصيرة) احد الثلاثة الذين تم تكليفهم بانشاء اول مجلس عسكري، لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، كنواة أولى للعمل العسكري.. وبهذا تم ارتباطة مباشرة مع الدكتور (فتحي) منذ اللحظة الاولى التي تعرف بها عليه، وبدأت العلاقة المباشرة بينهما بشكل متواصل.. تمخض عن ذلك تكليف الاخ (احمد) من قبل الدكتور (فتحي) نفسه بالتفرغ  بشكل خاص للقيام بالمباشرة العملية بتشكيل المجموعة العسكرية الأولى، لحركة الجهاد الاسلامي، وذلك للقيام بعمليات عسكرية.

 

وفعلا تم انشاء اول مجموعة عسكرية للتنظيم عام 1982م، تحت اسم (تنظيم الجهاد الإسلامي) الذي وافق عليه الدكتور (فتحي) كاسم معبر عن العمل العسكري فقط -آنذاك- ليس له علاقة بالعمل التياري- وقد انخرط معه في هذه المجموعة العسكرية الأخ (محمد الحسني) –الذي كان شريكه في محل سمكرة سيارات- وقد سجل التاريخ الجهادي للحركة، للأخ المجاهد (احمد أبو حصيرة، والأخ المجاهد محمد الحسني) تشكيل أول خلية جهادية عسكرية رسمية لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين. حيث تم منذ بدايات المرحلة الأولى لتأسيس الحركة، بناء هذه الخلية العسكرية المسلحة بأعلى درجات الحذر والسرية  وهذا ما كان يؤكده عمليا نشاط الدكتور (فتحي) الذي كان في كثير من الاحيان، يذهب الى محل الاخ (أحمد ابو حصيرة) فيغيب عنده بعض الوقت.. ويحضر منه احيانا كرتونة مغلقة –بها قنابل ومواد قتاليه- حيث أن العلاقة كانت بالمجال العسكري.  كما أن الدكتور (فتحي) قد كان بنفسه يمارس النشاط العسكري مع الاخوه، حيث قام الدكتور (فتحي) في منتصف عام 1983  في مسجد عنان على شاطئ بحر غزة، بجمع الاخ (احمد ابو حصيرة) مع الاخ (عبد الله السبع) الذي سلمه (قنابل، ومسدس،  وتي ان تي، وصواعق) التي كانت بداية العمل العسكري، وبداية الارتباط بين الاخوين مباشرة عبر الدكتور (فتحي) بنفسه. وقد تمكنت المجموعة العسكرية الاولى لحركة الجهاد الاسلامي في فلسطين القيام بست عمليات عسكرية، ضد العدو في القطاع.  

 

–أولى هذه العمليات العسكرية كانت قبل شهر اكتوبر عام 1983م، عندما كلف الدكتور (فتحي) الاخ (احمد ابو حصيرة) القيام بإلقاء قنبلة يدوية ضد قوات العدو -على مبنى الادارة المدنية وسط مدينة غزة (مبنى ابو خضرة)- وطلب منه عدم التبني، أو الاعلان عنها بشكل علني.. وكان معه في هذه العملية الاخ (محمد الحسني) الذي كان يشكل هو معه هذه المجموعة الاولى.

 

-والعملية الثانية لهذه المجموعة، كانت بإلقاء قنبلة يدوية على سجن غزة المركزي، في العام 1983م، من قبل الاخ (محمد الحسني) وكان الاخ (احمد) يقوم بقيادة السيارة.

 

-والعملية الثالثة لهذه المجموعة، كانت بالقيام بوضع عبوة ناسفة امام مبنى بنك لؤمي الاسرائيلي في غزة، ولم تنفجر العبوة.

 

-والعملية الرابعة لهذه المجموعة، بإلقاء قنبلة يدوية يدوية قرب منتزه البلدية في غزة، بجوار محل حلويات الغزالي، وقام -والعملية الثالثة لهذه المجموعة، كانت بإلقاء قنبلة يدوية يدوية قرب منتزه البلدية في غزة، بجوار محل حلويات الغزالي، وقام الاخ (أحمد) بإلقائها، وكان الاخ (محمد) يقوم بقيادة السيارة.

 

-والعملية الخامسة لهذه المجموعة، كانت بإلقاء قنبلتين يدويتين على مبنى المجلس التشريعي بغزة، التي كانت المقر الرئيس  لقيادة الجيش الصهيوني، وقد انفجرت واحدة منها، ولم تنفجر القنبلة الأخرى.

 

-والعملية السادسة لهذه المجموعة، كانت بالقيام في 18/2/1986م، بتنفيذ هجوما بالقنابل اليدوية على تجمع للجنود الصهاينة

 

أثناء تغيير (تبديل) الدورية التي كانت ترابط في الساحة –في نفس المكان الذي استشهد فيه مواطن فلسطيني قبل يوم واحد على يد الجنود الصهاينة -واعتبرت الجماهير أن هذه العملية البطولية الجريئة جاءت رداً على استشهاد الشاب العكلوك في ساحة فلسطين. ونتيجة لخطا ما، تم  اكتشاف هذه المجموعة، مما ادى الي اعتقالات واسعة لأبناء الحركة من جراء ذلك. وقد انتج بالفعل التمدد الحركي (التنظيمي) في المجال الامني والعسكري، قيام قوات العدو الصهيوني بشن حملة اعتقالات واسعة في اوساط التنظيم، أثر اكتشاف المجموعة الأولي، التي شكلت نواة العمل العسكري، والتي امتدت  لتشمل تسعة عشر مجاهدا من أبناء الحركة، بالإضافة للشقاقي الذي أبى إلا أن يساهم بشكل مباشر بعملية الدعم والتمويل لهذه المجموعات رغم نصيحة بعض الإخوة له بالابتعاد".. واعترف أفراد الضربة علي العمليات -تحت مسميات عدة- إلا أن الأخ (احمد ابو حصيرة) الذي يعلم الاسم الحقيقي للجهاز، اعترف ولأول مرة علي الاسم الذي توافق عليه مع الدكتور، بأن يكون للجهاز العسكري باسم تنظيم (الجهاد الإسلامي) وسجل ذلك الاسم في لائحة الاتهام.. وحكم على الشقاقي اربع سنوات باعتباره ممول للتنظيم بالسلاح الذي استخدم في العمليات، وكذلك القيام بالتحريض على العنف، وحكم على الباقي بأحكام تراوحت بين أربع سنوات والمؤبد.

 

وكان من الملفت للنظر أن أغلب أعضاء المجموعة كانوا من المعتقلين السابقين الذين تبنوا الإسلام داخل السجون الصهيونية، والذين كانوا قبل ذلك منتمين لتنظيمات فلسطينية وطنية سابقة، كتنظيم قوات التحرير الشعبية، وحركة فتح، والجبهة الشعبية وغيرهما. الذين هم من ذوي الخبرة العسكرية والأسبقية. والذين استطاعوا التفاهم الكامل، والفهم المتكامل، بينهم وبين الاخ (الشقاقي) وتخلوا طواعية عن القيادة له، لكونهم رأوا فيه قائدا مناسبا لهم، يستطيع توحيد طاقاتهم، ويستثمر فيهم كل قدراتهم. وفي الشهر العاشر من العام 2011م تم تحريره من المعتقل في صفقة تبادل الأسرى بين حماس والكيان الصهيوني التي تسمى صفقة وفاء الأحرار.. حيث تزوج من امرأة أخرى من اجل ان يرزقة المولى بالبنين، وفعلا  وهبه الله بنت (نور) وولد (عبد الرحمن).. ولكن سرعان ما وافته المنية بسبب فيروس كورونا ليلقى وجه ربه –إن شاء الله- راضيا مرضيا عنه بعد هذه الرحلة التي ضربت جذورها في أعماق الزمن.. نسال الله له القبول –بإذنه تعالى- في الدرجات العلا برفقة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفيع والمشفع لكل احبابه واتباعه المخلصين كأمثال اخونا الحبيب (احمد ابو حصيرة-أبو العبد).

التعليقات : 0

إضافة تعليق