قبس من نار عتصيون.. عطاف عليان

قبس من نار عتصيون..  عطاف عليان
أقلام وآراء

 

بقلم المجاهدة: عطاف عليان ( الاخيرة)

رائحة الدم زكمت أنفي لمجرد استعادة مشهد الشاب محمد سعيد، نافورة حمراء في فخذه، أتى به أصدقاؤه، سيل من الدماء لا ينقطع غسل نفسه وأصدقاءه به، العملية استغرقت أكثر من ساعتين. عظام الفخذ كانت قد تهشمت، نجا بإذن الله، اثنان من أصدقائه _الذين أنقذوه_ أعلن عن خبر استشهادهم بعد أقل من يومين من إنقاذه، الصور كثيرة ، وهذا القرد قام بالجريمة ويريدنا كما قال أحمد مطر: يشتمني ويدعي أن سكوتي معلن عن ضعفه.. يلطمني ويدعي أن فمي قام بلطم كفه .. يطعنني ويدعي أن دمي لوث حد سيفه.  أفقت من شرودي على صوت طرق الطاولة بيده:.. آه، ما بدك تحكي.. عن ماذا أحكي؟ أنت إنسان ذكي عرفت أني ولا اشي.. أنت عرموميت (ماكرة) شو يعني مش فاهمة، ما أنت كنت تحكي عربي منيح. أنت تجمعين النساء وتزورين بيوت المطاردين، وتشاركين في جنازات المخربين، وتزورين أهالي الأسرى طيب! أنت عارفة هذا ممنوع، هذه جريمة يعاقب عليها، أنت بتشجيعهم. - ممنوع من مين؟! - من دولة إسرائيل، ونعاقب عليها. - أنت ممكن أن تعاقبني، لكن لا تستطيع أن تمنعني؛ لأن هذا يشكل جزءًا من قناعاتي الدينية التي حثنا عليها ديننا. لم يكن اللقاء بالطويل ولا بالقصير لكنه انتهى بالتوعد والتهديد بأنه راح يجيب رأسي في الأرض وكما (قيل ذكرني فوكِ حمار أهلي) فقد ذكرني تهديده بألم رأسي، طلب من المجندة إعادتي للقسم بعد إعادة وضع القيد في يدي. خطت قدماي على صوت أبو دجانة: لا يـا أخـي.. فـلا تـقل.. ها قد خبا صوت النضال.. فـصـراعـنـا.. كـر.. وفر.. والوغى دوما سجال.

 

‏النفس الإنسانية غريبة، ففي ظل كل هذا الألم تهديك فسحة للغناء واللحن، كأنها تعيد التوازن فيها، أعلم أن الصراع لم ينته وأنه من الممكن أن تكون هناك جولات أخرى من التحقيق، وأساليب أخرى يتم استخدامها، جعبتهم لا تنفد من الأساليب القذرة، ما يهمني أن لا ينقطع حبل الوصل بيني وبينك ربي. من نفس الطريق عدنا، الشمس أرسلت أشعتها الواهنة؛ لتخفف من حدة البرودة في الخارج. المجندة تستحثني، كي أمشي بسرعة، وتدفعني لذلك وأنا أعاند كي أتمتع باستنشاق الهواء النقي الذي لم يتلوث رغم اختناقه بهذه الأسلاك الشائكة. وصلنا القسم، المجند فتح البوابة بعد أن دقت الجرس، على يمين الدرجات كانت مساحة صغيرة محاطة بالشبك، قد وضعوا الأطفال بها، انشرح صدري برؤيتهم، كيف حالكم خالتو؟ شدوا حيلكم، أنتم أبطال. أجابوا ما تخافيش يما، دفعتني السجانة إلى الداخل وهي تصرخ ممنوع الحكي، لم أعرها اهتمامًا، طالبت الدخول للحمام، حاولت منعي، لكني ولجت الممر فاضطرت للحاق بي وسط سيل من الشتائم، وكما السابق بدأت بالطرق على الباب والحث على استعجالي للخروج، قلت لها شكرًا على الموسيقى الجميلة، ممكن أعلى شوي، جوابها كان سيلًا من الشتائم، قلت أغنية جميلة صوتك حلو.

 

استطعت خداع بطني لإفراغ حمولته، أريد ورقًا، لا يوجد ورق، إذًا سأبقى هنا، قذيفة شتائم من العيار الثقيل، صرخت على المجند كي يجلب ورق الحمام الخاص بها، خرجت مبتسمة قلت لها: الآن أستطيع القول إنه بيت راحة، وعلى المغسلة المسحوب لونها توضأت، عدت لمقصورتي، فرغت غضبها في الباب، مسكين أيها الباب ظلمت بين أيديهم، كيف لا تثأر لنفسك؟!  المقصورة تنتفض بردًا، قدماي تشاركانها مشاعرها، كلتاهما عاريتان، كم انقضى من النهار؟ لا أدري، لابد أن وقت الظهيرة قد خرج، توجهت للصلاة بعد أن خمنت موقع غروب الشمس أثناء رحلتي القصيرة، حاولت أن أضبط بوصلة قلبي نحو ربي، لكن تشتت فكري، التحقيق وبرودة جسدي أفشلا الوصل مع الحبيب، كم هي المشتتات التي تحرمنا برد الوصل في الصيف ودفئه في الشتاء! أنهيت صلاتي، تدثرت بدثار أمي لعلي أستعيد بعضًا من دفء قلبي، فلربما أستطيع أن أكمل وردي من التسابيح والاستغفار، اليوم الخميس من الأيام الأولى للسنة الجديدة 2003م، اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، شيطاني يوسوس لي وأي خير فيها وأنت رهن الاعتقال؟! ربي علمتني أن الخير أحيانًا كثيرة يكون محمولًا في رحم الشر كما اللؤلؤة في رحم المحارة، لم أجد في حياتي ما يفوق الصراع مع الوسواس الخناس عندما تتناغم النفس الأمارة بالسوء مع وسواسه. نشر الليل أجنحته وأعلن صوت الأذان سيطرته على القلوب المحتاجة إليه، الله أكبر أنا هنا. الله أكبر لا إله إلا أنا. الله أكبر والعزة لي ومن على درب عزتي مشى، سكن قلبي وهدأت الأصوات المتصارعة في رأسي، وقفت بين يديه، شكوت بثي وحزني إليه، وإلى أمي وأحبابي دعوت إليه، قلبي بحبه طار إليه، فلا مفر منه إلا إليه، أحضرت السجانة وجبة العشاء بعد أن فات قطار الصباح والمساء، إلا أنه لم يكن لي رغبة فيها تمنيت لو كنت قد نويت الصيام.

 

ليلة الجمعة خفتت الأصوات العبرية، وعلت الأصوات العربية، الشباب يتحدثون مع بعضهم البعض، يتعارفون، يصرخون، محمد مين عندك اليوم؟ اعتقلوا فلان وفلان و…، الله يقويهم وأنا حضر عندي فلان وفلان وفلان و…، أبو الشباب سمعنا صوتك، يصدح صوت حزين يزيده المكان حزنًا: "ملعون بيه السجن واللي حدد بوابه. محروم شم الهوا ومفارق حبابه". وبدأت الأغاني تتنقل من سجين لآخر دون أن يخرج نطاقها عن السجن وكأننا محبوسون بكلماتنا، هذا يغني سجان أبوك يا سجن، وذاك يغني غريب الليل عن سجني، والأغرب أنه النسر يقع في سجن الغراب، لم أرَ نفسي إلا وبدأت أترنم:  قد تملك سَوطاً يكويني .. وتحز القلب بسكين.. قد تجعل غلك في عنقي.. وتحاول قطع شراييني.. وتصادرُ شعراً أكتبه.. بشمالي إن عزّ يميني.. وتُجوّع طفلي من بعدي .. واهاً للطفل المسكين.. لكن لن أخضع في يوم..  للظلم بضعف أو لينِ.

 

يتسلل الضابط المناوب لعرين الأشبال، يخرجهم منه، يمد لهم حبلًا من الوصل الكاذب، يمازحهم ويروي لهم النكات السمجة، يسألهم أي الفريقين يحبون يحرضهم على الفريق الآخر، يستجوبهم دون الإيحاء لهم بأنهم في موقع استجواب، فهو العدو اللطيف الظريف الذي يقدم لهم ألواح الشوكلا، يتحدث محمد عما أخرجه لساحة المعمعان وقراره وصاحبه في صنع قنابل المولوتوف وإلقائها على العدو، يتحدث عن أمه التي ذهبت ضحية قذائف مدفعياتهم الهوجاء، دمرت بيتهم وحرمته حضنها الدافئ، قطعت شريان حياتهم. هذا الطفل خرج لينتقم لطفولته التي داستها شريعة الغاب التي لا وزن للإنسانية ولا للعدالة عندها، واه على قلب الصغير شاخ قبل أوانه يتحدث بصوت رزين وكأنه خبر الحياة، هل سيستطيع النجاة من حبائل الشيطان التي يمارسها زبانية المعسكر لإسقاط شبابنا في وحل العمالة ووحل الرذيلة، كم من الأشخاص اعترف عن بداية سقوطه التي كان مقرها ومستقرها هذا المعسكر اللعين؟

 

غاب يوم الجمعة جارًا أذيال السبت الثقيل على قلب الأسرى، شقائق النعمان تفتحت مع فجر الأحد، بوابة العبور فتحت، شاحنات تأتي لتفرغ صيدها، وأخرى تفرغ معدة المعسكر لتنقلها إلى محطات عبور أخرى، كل أسير يحمل في صدره همومه وأسراره، يصارع نفسه وعدوه لتبقى أسراره في صدره، منهم من ينجح ومنهم من يحمل آلام الاعتراف طيلة حياته، تعذيب ضميره لا ينفك عنه، ومنهم من يسقط في وحلهم حتى لا يعرف أباه ولا أمه، والأيام تتوالى، محكمة مددت التوقيف، وحذاء اشتمت قدمي رائحته بعد عشرة أيام من الأسر عله يعالج بردًا نخر فيه، طعام تعافه النفس يتكرر تقديمه للأسرى منهم من يسكت به جوعه، ومنهم من يعرض عنه رغم صرخات أمعائه، معاناة قضاء الحاجة لم تنته، فكل يوم ملحمة تسطر من أجل الحصول على هذا الحق البسيط، يقترب عداد الأيام من الشهر مع اندهاش المحامين من استمرار بقائي في هذا المعسكر اللعين، فما خبروه من عدم بقاء المعتقلات لأكثر من يومين أو ثلاثة، العروس التي سألني عنها المحقق تبين أنها تشير إلى سيارة مفخخة، مصطلح يتم تداوله في ظل العمليات الاستشهادية، ضحكت على نفسي الجاهلة، الوالدة كانت خاضت صراعًا مع الجنود الذين كانوا قد أتوا لاعتقالي حيث دفعت إحداهن أوقعتها عن الدرج، وكانوا قد أحضروا رجلًا ملثمًا ليؤكد لهم أنني المقصودة بالاعتقال بعد أن امتنع إخوتي من الإفصاح عن اسمي حيث أيقنوا أنني لم أعرف عن نفسي، كانوا قد حملوني على حمالة الموتى، أخذوا يهرولون جريًا، وضعوني على أرضية السيارة العسكرية هربًا من غضب والدتي وصراخها وهجومها عليهم.  لم يكن هناك مناص من إخراج ورقة الإضراب عن الطعام فهي الورقة الرابحة دومًا عندما يتحدد وقتها المناسب، ثلاثة أيام من هذه الوصفة كانت كافية لإغلاق ملف الاعتقال في هذا المعسكر؛ ليبدأ فصل جديد من فصول الصراع في مكان آخر.

التعليقات : 0

إضافة تعليق