الأسيرات الفلسطـينـيّات "أنـسَـنَة" القـضـيّة والبُعد المُقَاوِم... هيثم محمد أبو الغزلان

الأسيرات الفلسطـينـيّات
أقلام وآراء

بقلم : هيثم محمد أبو الغزلان

خاضت المحررة التي أبعدتها سلطات الاحتلال إلى قطاع غزة "هناء شلبي" أطول اضراب عن الطعام في تاريخ الأسيرات واستمر 44 يوماً، وذلك على خطى الإضراب الشهير الذي خاضه الشيخ المجاهد "خضر عدنان". واعتقلت هناء في أيلول/سبتمبر 2009 وأودعت رهن الاعتقال الإداري لمدة 25 شهرًا قبل الإفراج عنها في صفقة تبادل الأسرى بين حماس و"إسرائيل" في تشرين الأول/أكتوبر 2011، وهي من بين خمسة فلسطينيين أعادت قوات الاحتلال اعتقالها وإبعادها إلى قطاع غزة.. كما أنها اعتقلت إداريًا لمدة ستة أشهر في 23 شباط/فبراير 2012 ولم تُوجّه لها اتهامات. من الواضح أن استمرار سلطات الاحتلال في عمليات اعتقال الفلسطينيات واستمرار استخدام سياسة التعذيب بخقّهن، وبعضها بشكل منهجي، يشير إلى المحاولات "الإسرائيلية" لكسر إرادة الفلسطينيين، ومنع استمرار المقاومة بكافة أشكالها ضد الاحتلال الجاثم على الأرض الفلسطينية.

 

تأثيرات الاعتقال وما بعده الاعتقال

 

تُشكل فترة اعتقال الأسيرة مرحلة نضالية وكفاحية في حياتها تُكسبها المزيد من القوة باتجاه الثبات على مواقفها وتعطيها دفعات من الإيمان بقضيتها التي قدّمت في سبيلها سني عمرها ويمكن أن نعطي أسماء كأمثلة عن الأسيرات اللواتي ضحّين وواصلن مسيرتهن الكفاحية "منى قعدان، وفاطمة الزق، ومريم أبو دقة، والنائب خالدة الجرار، وأحلام التميمي وغيرهن كثيرات"... وكما هو متوقع من العدو فإنه يسعى دائمًا إلى تحطيم الروح المعنوية للأسيرة، وبطبيعة الحال فإن الأسيرة هي إنسانة تتأثّر باعتقالها سواء أثناء الاعتقال أو بعده، وذلك بسبب ظروف الاحتجاز والمعاملة غير الإنسانية التي تتعرض لها، وهذه التأثيرات أيضًا تمتد ببعضها لتشمل أسرتها. كما أن اعتقال الزوج له تأثيرات على الزوجة، ولكن هناك تأثيرات تلحق بالأسيرة أثناء الاعتقال وبعده، وأخرى بأسرتها وما يترتب على ذلك من ضغوط نفسية واجتماعية، لأن الأسرة في مجتمعاتنا هي اللّبنَة الأساسية التي تتشكّل منها مجتمعاتنا وهي المسؤولة عن التنشئة الاجتماعية والضبط الاجتماعي، يُضاف إلى دورها في التربية والتنشئة الاجتماعية دور المحرّض والمضحي في سبيل تحرير الوطن، وذلك بسبب الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تمر بها الأسرة الفلسطينية بخاصة.

 

وأظهرت نتائج دراسة (الآثار الاجتماعية والنفسية لتجربة الاعتقال على أسر الأسيرات الفلسطينيات المحررات في محافظات شمال الضفة الغربية) أن هنالك أثارًا اجتماعية يخلفها الاعتقال على أسر الأسيرات الفلسطينيات المحررات، أهمها أن الأزواج يجدون صعوبة في تقبّل فكرة اعتقال زوجاتهم، وأن خبرة الأسر تزيد من مكانة الأسيرة بين أفراد المجتمع، وأن تقبّل المجتمع اعتقال المرأة مقرون بأسباب وظروف اعتقالها، وأنهم يشعرون بالألم نتيجة وجود أسيرة من أفراد عائلتهم، بالإضافة إلى أن أفراد العينة لا يرون أن خبرة الاعتقال التي تعرضت لها الفتاة جراء الأسر تؤدي إلى تدنّي سمعة العائلة اجتماعيًا، وأن هناك أثارًا نفسية للأسر على أسر الأسيرات الفلسطينيات المحررات، من أبرزها أن أفراد العينة يرون بأن أسر الأسيرات يعانون من ضغوط نفسية واضطرابات في النوم، وعدم الشعور بالأمن النفسي.

 

ويمكن تقسيم الآثار النفسية التي تتركها هذه الأساليب إلى قسمين من حيث استمراريتها وظهورها، أما القسم الأول فيتمثل في الآثار قصيرة المدى التي تحدث للأسيرة أثناء الوجود في السجن أو بعد الخروج منه، ويرافقه أراض متفاوته في حدتها كالإجهاد النفسي الحاد والقلق والتوتر، وقد تستمر لأسابيع، ويتمثل القسم الثاني في الآثار طويلة المدى، حيث تظهر على الأسيرة المحررة نتيجة تعرضها للصدمة النفسية. وهي أكثر شيوعًا لدى ضحايا التعذيب، وتتمثل بالخوف الشديد والرعب والشعور بالعجز أثناء الحديث، إضافة إلى تكرار الأحداث المؤلمة على شكل أفكار وهواجس وأحاسيس، وصعوبة التركيز والحذر الشديد والجمود العاطفي والشعور بالانفصال والاستغراب، والنظرة المتشائمة للمستقبل، وقد تستمر لفترات طويلة تؤثر على الحياة اليومية للأسيرة المحررة، وتخص أداءها وقراراتها وشخصيتها ونظرتها لنفسها ومجتمعها.

 

أما طبيعة الآثار الاجتماعية والنفسية الناجمة عن وسائل التعذيب على حالة الأسيرة، فتلعب دورًا هامًا في التأثير عليها من خلال تفاعلها مع محيطها الاجتماعي وفي مختلف مناحي حياتها، بيد أن فترة الأسر وما رافقها من ممارسات تنعكس حسب آراء الخبراء في سلوكها وتفاعلاتها الاجتماعية. إذ أن معاناة الأسيرة وتأثّرها بالاعتقال لا تنتهي مع نهاية الاعتقال، حيث تبدأ رحلة جديدة من المشاعر تنعكس على سلوكها لتؤثر بدورها على أسرتها والمجتمع المحيط بها، ومن جانب آخر، تواجه صعوبات في التكيف واستيعاب التغير الحاصل في المجتمع خلال فترة أسرها.

 

ومن أبرز تلك الآثار الاجتماعية، العزلة وعدم الرغبة في الاختلاط بالآخرين، واللجوء لاستخدام العنف الجسدي واللفظي تجاه المقربين لها، تقليدًا أو ممارسة لما عانته خلال فترة اعتقالها وكذلك الشعور بالاغتراب عن الأهل والزوج والأطفال والأصدقاء، إضافة إلى فقدان الدور الاجتماعي في الأسرة مما ينتج عنه صراعات داخلية تفضي إلى ظهور الفجوة الاجتماعية في حياتها، وفقدان الشعور بالأمان في العالم المحيط.

 

كما أظهرت نتائج دراسة أبو دقة والسراج (2010) بعنوان الآثار النفسية والجسدية بعيدة المدى للتعذيب لدى الأسيرات الفلسطينيات المحررات أن بعض الأسيرات أصبحن يعشن في عزلة عن الاندماج الحقيقي في المجتمع ويعانين من حالة اغتراب داخل أسرهن والمجتمع المحيط بهن، وأن التعذيب الجسدي والنفسي الذي تعرضن له الأسيرات ترك آثارًا بعيدة المدى نتيجة التعذيب وتوابعه، وأن هنالك علاقة ارتباطية قوية، وواضحة بين التعرض للتعذيب الجسدي والنفسي والتعرض للصدمة النفسية وأمراض نفسية مثل الخوف والقلق والاكتئاب والوسواس والعداوة والحساسية واضطرابات ما بعد الصدمة.

 

                                                                                                       بتبع

التعليقات : 0

إضافة تعليق