إخفاقات حقيقية في المنظومة التربوية .. والمعلم الضحية... خالد صادق

إخفاقات حقيقية في المنظومة التربوية .. والمعلم الضحية... خالد صادق
أقلام وآراء

خالد صادق

لعلي استحضر هذا البيت الشعري في بداية مقالى, فهو دليلي الذي سأستند إليه وأنا أبحر بين الكلمات, لعلي أصل إلى ضالتي, البيت الشعري يقول:

 إنما الأمم الأخلاق ما بقيت      ......     فان هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

 

والحقيقة أنني لا اعرف كيف يمكن ان أصنف حادثة الاعتداء التي تعرض لها أحد المعلمين في مدينة رفح على يد طالب وعائلته, هل تأتي في دائرة الانحدار الأخلاقي, أم تأتي في دائرة الاستقواء بالعائلة, أم تأتي في دائرة الجهل والتخلف في مستوى التعليم المدرسي, أم في دائرة عدم إدراك المعلم لواجبه في حماية نفسه وحفظ هيبته أمام الطلاب, أم ان أنها جميعا تحتاج إلى عرض ومناقشة كي نصل إلى الحقيقة.

 

اذكر أنني حضرت مناقشة لرسالة ماجستير لصديق لي, وكان زميلي ابن احد المدرسين المرموقين, والذين ربوا أجيالا من الخريجين الجامعيين, وقبل ان يبدأ الدكتور المشرف على الرسالة المناقشه مع الطالب, دعانا للوقوف احتراما للمدرس الذي علمه وهو طفل صغير, ووقف الدكتور والمناقشون والحضور جميعا وبدؤوا بالتصفيق الحار للمدرس اعترافا بجميله, حتى فاضت عيناه بالدموع, لأنه رأى ان ما زرعه أثمر وجهده لم يضع هدرا, وسرعان ما شرد ذهني إلى القصيدة الشعرية لأمير الشعراء احمد شوقي, والذي ألقاها في حفل التي أقامه نادي مدرسة المعلمين العليا سنة 1932م، لما فيها من قيم عليا تحث على العلم والتعليم، وترفع مكانة المعلم بين الناس. فكان مما جاء في هذه القصيدة:

قم للمعلم وفِّهِ التبجيلا                     ***           كاد المعلم أن يكون رسولا

أعلمت أشرف أو أجل من الذي         ***         يبني وينشئ أنفسا وعقولا

سبحانك اللهم خيرَ معلِّم                 ***          علّمت بالقلم القرونَ الأولى

أخرجت هذا العقل من ظلماته          ***          وهديته النور المبين سبيلا

أرسلت بالتوراة موسى مرشدا        ***            وابنَ البتول فعلّم الإنجيلا

وفجرت ينبوع البيان محمدا           ***         فسقى الحديث وناول التنزيلا

 

لماذا ضاعت هيبة المعلم مع هذا الجيل الجديد, ومن المسؤول عن ذلك, الوزارة أم الطالب أم المجتمع أم المعلم نفسه, أم ان المسؤولية مشتركة بين الجميع, قديما كان الطالب عندما يشاهد مدرسه في الشارع مصادفة ينزوي في احد الأماكن احتراما له, وعندما يمرض المعلم أو تحدث عنده مناسبة ينتخب الطلبة مجموعة من الطلاب تمثلهم لزيارة المعلم وتهنئته, وإذا اجتمع المعلم بأحد طلابه في مناسبة اجتماعيه لا يستطيع الطالب ان ينظر لمعلمه أو يتحدث إليه حياء منه, اليوم تجرأ مجموعة من الطلاب على مدرسهم وقاموا بالاعتداء عليه بالضرب المبرح, وهذه ليست الحادثة الأولى وعلينا ان نعترف أنها لن تكون الأخيرة, كما ان علينا ان نعترف ان هناك فجوة تكبر يوما بعد يوم بين المعلم ومديريته التي يتبع لها, وبين الطالب والمعلم, وهناك ثبات في تطوير أداء الطاقم التعليمي, وعدم مواكبة التطورات في أساليب التربية الاجتماعية مع تطور التكنولوجيا الحديثة وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي, فالإخصائيون الاجتماعيون والنفسيون اغلبهم لا يقومون بدورهم في توعية الطلاب وحل مشاكلهم, والمعلم مضغوط بكثافة الحصص وتزايد عدد الطلاب في الفصل الواحد ليصل إلى نحو خمسين طالبا أحيانا, والطالب يعاني من مشكلات اجتماعية وشرود ذهني وانحدار في التفكير, ولا يجد الاهتمام اللازم من الأسرة والمجتمع والمدرسة, وهذا كله يؤثر في سلوكه, وينمي لديه العدوانية تجاه الآخرين, اذكر أنني شاهدت احد جيراني وهو طالب في المرحلة الابتدائية عائدا من المدرسة مبكرا, فاستوقفته وسألته عن السبب فقال لي بدون تردد لقد ضربت مدرسي بالكرسي وطردني من المدرسة, استغربت من استسهاله للحدث, وكأنه يعلم ان عقابه لن يتخطى حرمانه لمدة يومين أو ثلاثة من الدراسة ثم سيعود مجددا وهو منتشياً ومنتصراً, ولن يستطيع معلمه التعامل معه حتى لا يضع نفسه في مأزق جديد.

 

ما أستخلصه من واقعة الاعتداء على المدرسين, ان المسؤولية لا يتحملها طرف واحد, إنما يشترك فيها كل الأطراف, والجهود يجب ان تلتقي لكي يمكن الحد من هذه الأحداث الخطيرة, قبل ان تتفاقم وتتحول إلى ظاهرة لا سمح الله, المعلم الحقيقي والذي يعرف واجبه جيدا, له احترامه ويجب ان تحفظ قيمته عند الجميع, فهو الذي يربي الأجيال, ويضحي بصحته ووقته وجهده من اجل أداء رسالته على أكمل وجه, والمعلم في غزة تحديدا يجب ان نرفع له القبعة لأنه لا يتقاضى إلا نصف راتبه فقط, ويعمل بأقل الإمكانيات التقنية, ويحاضر لخمسين طالباً في الفصل الواحد, وربما يدرس أكثر من مادة حتى يسد العجز بسبب قلة المعلمين, ومنهم من يعمل مساء, ومنهم من يأتي من أماكن نائية ليقوم بواجبه تجاه الطلاب, فهل نستطيع حماية المدرس وتطوير قدراته, أم سنبقى نتعامل وقتيا مع الأحداث؟ وتنتهي الأمور إلى حلول مؤقتة تعيد الأزمات والأحداث وتكررها دون ان ننتهي إلى اقتلاع هذه الظواهر المقيتة. 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق