حلمه برؤيه طفلته دفن بجواره

السباخي.. وعده لأمه بلقائها شهيداً تحقق!

السباخي.. وعده لأمه بلقائها شهيداً تحقق!
مقاومة

 

حلمه برؤيه طفلته دفن بجواره

السباخي.. وعده لأمه بلقائها شهيداً تحقق!

غزة/ آلاء المقيد

يتوه في صمته طويلاً كلما حاول اقناعها أن فكرة موتها لم تحضر إليه وإذا نطق بدا صوته مثقلاً شديد التعب، فبعد أن كان يُحدثها باستمرار فكرة أن تفقده شهيداً  لتوطن فؤادها وتصبر، جاء السرطان متسللاً خفية إلى جسد أمه ليُربك المشهد في عينيّ أحمد الذي كان يعتقد أن ثمة تعويذات تحصن قلوب الأمهات من سابع سماء، "يا رب تحملي نعشي قبل ما أحمل نعشك "(يقول أحمد لأمه)، تغضب هي "اسكت يا رب ما أشوف فيك مكروه".

 

ظلّ هذا الحوار الممتلئ بالخوف عند كليهما يتكرر ويعلو صوِت النقاشات بينهما فلا تُخرسه إلا الدموع وحرارة عناقهما، حتى ماتت أمه أخيراً ليعِرف أن صوت دعائها كان أقرب إلى الله من صوِته هو _ هكذا اعتقد_، عند الوداع الأخير لها، مرّ فلذات أكبادها على روح أمهم، قبّلوها شمّوا رائحتها الطاهرة لآخرة مرة، ثم راحوا جانباً يبكون فراقها إلا أحمد ظل واقفاً أمامها ثمة مشاعرٍ تخالجه، لملم حُزنه العميق وانحني جاثياً عند رأسها همس في أُذنها كلمات لم يعرفها أحد من إخوته، سألوه كثيراً ماذا أخبرتها؟، ينظر إليهم يبتسم ولا يرّد .. ربما وعدها أن يكون أول من سيلتقي بها بجوار ربه! بعد أن اعترف بهزيمته وحَمل هو نعش أمه قبل أن تودعه هي شهيداً كما كان يتمني.

 

لم يكن سهلاً أن يفقد البيت روحه، وليس من السهل تجاوز تلك المرحلة دون المرور بكثير مما يُخلفه الفقد لأحباب الميت من مآسٍ وأوجاع، لذا قرر والده وإخوته أخيراً تزويج أحمد بعد رفضه المتكرر للفكرة، علّ الفرح يُعاود قلبه من جديد! تزوج آخر العنقود ولم تحضر أمه زفافه الذي كانت تعده به " ليعقل" كلما حدثها عن الشهادة.

 

"إذن علينا إنجاب فتاة حسناء كأمي تأخذ منها كل الطِباع حتى اسمها " (يقول أحمد لزوجته)، حِملت زوجته ووافقت إرادة الله دعوته، حتى أصبح الحديث عن "سُهيلة" الأم الراحلة والابنة المنتظرة، ولا يزيده الاسهاب في تفاصيلها والاحتفاء بها إلا استمتاعاً وابتهاجا.

 

يعدّ الأيام بالساعات والدقائق التي تفِصله عن رؤيتها، لم يتبق الكثير، ثلاثة شهورٍ ويعود وجه السعد مجدداً إلى البيت، لكن!

 

لقاء بوالداته 

 

مساء الاثنين 30 أكتوبر الماضي، أُذيع في الأخبار عن قصف أحد أنفاق المقاومة شرق خانيونس، وتم فقد الاتصال مع أصحابه، أحمد في ذلك اليوم كان ذاهباً لعمِله المعتاد تحت باطن الأرض مع مجموعة من رفاقه، وموعد عودته مساءً ككل يوم لكنه لم يعد! بين نار الانتظار ودموع الرجاء ظلّ أهله يتأرجحون لأيام حتى ثبت أخيراً أنه مع المقاومين الخمسة الذين تعذر الوصول إليهم، لتُعلن سرايا القدس عن استشهادهم، ولتكون رمِال النفق قبر هؤلاء الأطهار، ويصدق أحمد في حديثه العفوي لأخته عندما كان يبحث عن قبرٍ قريب من قبر أمه ليُدفن فيه عند موته:" يمكن أنا ما انحط بقبر" كأن قلبه كان يعِرف.

 

إذن هو الشهيد أحمد السباخي (22 عاماً) أحد الأقمار الاثني عشر الذين ارتقوا مؤخراً شرق خانيونس، هم الشهداء يُشِعرون من يسمع سيرهم أنهم استعجلوا الرحيل، ولا نُدرك أنهم يذهبون في الوقت المناسب ليُكمل من خلفهم  الحكاية!

 

سند قوي

 

السباخي جمِيل الطِباع، حَسن المظَهر، بشوش الوجه، خفيف الظِل كما تصِفه أخته هناء قائلةً:" منذ طفولته لم نعهده إلا ذاك الشبل الهادئ المطيع الذي يُحب عائلته، يقضى وقتاً طويلاً في المسجد حتى أصبحت أخلاقه القرآن، محافظاً على الصلاة، وكان يمِيل إلى سير الشهداء وتجذبه أحاديث المقاومة من الحجر حتى السكين وليس انتهاءً بالأسلحة التي تتطور شيئاً فشيئاً" فكان سند أخته حين استشهد زوجها رغم أنه لم يتجاوز الـ 18 ربيعاً في ذلك الحين يُغبطها لأنها نالت شرف زوجة شهيد.

 

تُحدثنا عن ذلك:" مع أنه كان صغيراً على تحمل المسئولية، لكن من شدة حُبّه للشهداء وقِف معي كأنه رجل ساندني في تربية أبنائي، دللهم كأبيهم، كبِروا معه خلّقهم بالقرآن، تَعودوا عليه، وقبيل الرحيل وصاهم بي ولم أكن أعلم أنها وصية مودع".

 

ومع أنه كان يطلب الشهادة من الله ويُحدث أهله عنها إلا أنه كتوم في عِمله، لا يعرف طبيعته إلا هو، أما هم فكل ما يَعرفونه عنه أنه كغيره من الشباب حدد انتماءه وانتسب لحركة الجهاد الإسلامي.

 

علاقته مع أهله وإخوته وطيدة، يُحب أن يراهم دائماً مجتمعين، يُمازحهم، مع أنه قليل الكلام، يُحب الأطفال، تُضيف أخته هناء:" في الأعياد والمناسبات كان يخلق بهجة كبيرة لقلوبنا، أولاد إخوته من جِيله مما جعلهم أصدقاء أكثر من علاقة خال بأولاد أخته".

 

زوجته التي لم تستوعب بعد صدِمتها في رحيل زوجها تعتذر عن التحدث معها لكن أخته تطرقت معنا عن علاقته بزوجه حيث كان حنوناً ورفيقاً لها، شوّقها أكثر لرؤية طفلتها الأولى فلا يطيب له حديث كما يطيب الحديث عن "سُهيلة"، كأن قلبه يعِرف أنه راحل فأوصل مشاعره لابنته قبل أن تأتي إلى هذه الدنيا، قدر واحد إذاً سيجمعه بوالدته التي تعلّقت روحه بها، ويُفرقه عن ابنته وزوجته!

 

هل كانت زوجته تعِرف عن طبيعة عمله الجهادي؟ تُجيب:" أخبرها من اللحظة الأولى للقائهما عن حبه للشهادة وطريق الجهاد، ودائماً يُحدثها عن ذلك لكن طبيعة العمل لم يكن يعرف عنها أحد".

 

أحمد قبيل رحيله بيوم كانت نظراته نحو أخته تُثير استغرابها، سألته:" ما بكِ يا أحمد؟ "، ردّ بعد أن أطال النظر فيها:" ديري بالك على حالك وأولادك"، ثم أوصلها إلى بيتها، وهو عاد إلى بيته. ليذهب في اليوم التالي إلى عمِله الجهادي ولم يعد حتى لو محمولاً على الأكتاف، أحمد فاكهة البيت وضحكته رحل شهيداً كما تمنى لكن دون وداع، فهل لأهله نظرة أخيرة في هذه الحياة!

 

 

 

 

 

 

 

 

غزة/ آلاء المقيد

يتوه في صمته طويلاً كلما حاول اقناعها أن فكرة موتها لم تحضر إليه وإذا نطق بدا صوته مثقلاً شديد التعب، فبعد أن كان يُحدثها باستمرار فكرة أن تفقده شهيداً  لتوطن فؤادها وتصبر، جاء السرطان متسللاً خفية إلى جسد أمه ليُربك المشهد في عينيّ أحمد الذي كان يعتقد أن ثمة تعويذات تحصن قلوب الأمهات من سابع سماء، "يا رب تحملي نعشي قبل ما أحمل نعشك "(يقول أحمد لأمه)، تغضب هي "اسكت يا رب ما أشوف فيك مكروه".

 

ظلّ هذا الحوار الممتلئ بالخوف عند كليهما يتكرر ويعلو صوِت النقاشات بينهما فلا تُخرسه إلا الدموع وحرارة عناقهما، حتى ماتت أمه أخيراً ليعِرف أن صوت دعائها كان أقرب إلى الله من صوِته هو _ هكذا اعتقد_، عند الوداع الأخير لها، مرّ فلذات أكبادها على روح أمهم، قبّلوها شمّوا رائحتها الطاهرة لآخرة مرة، ثم راحوا جانباً يبكون فراقها إلا أحمد ظل واقفاً أمامها ثمة مشاعرٍ تخالجه، لملم حُزنه العميق وانحني جاثياً عند رأسها همس في أُذنها كلمات لم يعرفها أحد من إخوته، سألوه كثيراً ماذا أخبرتها؟، ينظر إليهم يبتسم ولا يرّد .. ربما وعدها أن يكون أول من سيلتقي بها بجوار ربه! بعد أن اعترف بهزيمته وحَمل هو نعش أمه قبل أن تودعه هي شهيداً كما كان يتمني.

 

لم يكن سهلاً أن يفقد البيت روحه، وليس من السهل تجاوز تلك المرحلة دون المرور بكثير مما يُخلفه الفقد لأحباب الميت من مآسٍ وأوجاع، لذا قرر والده وإخوته أخيراً تزويج أحمد بعد رفضه المتكرر للفكرة، علّ الفرح يُعاود قلبه من جديد! تزوج آخر العنقود ولم تحضر أمه زفافه الذي كانت تعده به " ليعقل" كلما حدثها عن الشهادة.

 

"إذن علينا إنجاب فتاة حسناء كأمي تأخذ منها كل الطِباع حتى اسمها " (يقول أحمد لزوجته)، حِملت زوجته ووافقت إرادة الله دعوته، حتى أصبح الحديث عن "سُهيلة" الأم الراحلة والابنة المنتظرة، ولا يزيده الاسهاب في تفاصيلها والاحتفاء بها إلا استمتاعاً وابتهاجا.

 

يعدّ الأيام بالساعات والدقائق التي تفِصله عن رؤيتها، لم يتبق الكثير، ثلاثة شهورٍ ويعود وجه السعد مجدداً إلى البيت، لكن!

 

لقاء بوالداته 

 

مساء الاثنين 30 أكتوبر الماضي، أُذيع في الأخبار عن قصف أحد أنفاق المقاومة شرق خانيونس، وتم فقد الاتصال مع أصحابه، أحمد في ذلك اليوم كان ذاهباً لعمِله المعتاد تحت باطن الأرض مع مجموعة من رفاقه، وموعد عودته مساءً ككل يوم لكنه لم يعد! بين نار الانتظار ودموع الرجاء ظلّ أهله يتأرجحون لأيام حتى ثبت أخيراً أنه مع المقاومين الخمسة الذين تعذر الوصول إليهم، لتُعلن سرايا القدس عن استشهادهم، ولتكون رمِال النفق قبر هؤلاء الأطهار، ويصدق أحمد في حديثه العفوي لأخته عندما كان يبحث عن قبرٍ قريب من قبر أمه ليُدفن فيه عند موته:" يمكن أنا ما انحط بقبر" كأن قلبه كان يعِرف.

 

إذن هو الشهيد أحمد السباخي (22 عاماً) أحد الأقمار الاثني عشر الذين ارتقوا مؤخراً شرق خانيونس، هم الشهداء يُشِعرون من يسمع سيرهم أنهم استعجلوا الرحيل، ولا نُدرك أنهم يذهبون في الوقت المناسب ليُكمل من خلفهم  الحكاية!

 

سند قوي

 

السباخي جمِيل الطِباع، حَسن المظَهر، بشوش الوجه، خفيف الظِل كما تصِفه أخته هناء قائلةً:" منذ طفولته لم نعهده إلا ذاك الشبل الهادئ المطيع الذي يُحب عائلته، يقضى وقتاً طويلاً في المسجد حتى أصبحت أخلاقه القرآن، محافظاً على الصلاة، وكان يمِيل إلى سير الشهداء وتجذبه أحاديث المقاومة من الحجر حتى السكين وليس انتهاءً بالأسلحة التي تتطور شيئاً فشيئاً" فكان سند أخته حين استشهد زوجها رغم أنه لم يتجاوز الـ 18 ربيعاً في ذلك الحين يُغبطها لأنها نالت شرف زوجة شهيد.

 

تُحدثنا عن ذلك:" مع أنه كان صغيراً على تحمل المسئولية، لكن من شدة حُبّه للشهداء وقِف معي كأنه رجل ساندني في تربية أبنائي، دللهم كأبيهم، كبِروا معه خلّقهم بالقرآن، تَعودوا عليه، وقبيل الرحيل وصاهم بي ولم أكن أعلم أنها وصية مودع".

 

ومع أنه كان يطلب الشهادة من الله ويُحدث أهله عنها إلا أنه كتوم في عِمله، لا يعرف طبيعته إلا هو، أما هم فكل ما يَعرفونه عنه أنه كغيره من الشباب حدد انتماءه وانتسب لحركة الجهاد الإسلامي.

 

علاقته مع أهله وإخوته وطيدة، يُحب أن يراهم دائماً مجتمعين، يُمازحهم، مع أنه قليل الكلام، يُحب الأطفال، تُضيف أخته هناء:" في الأعياد والمناسبات كان يخلق بهجة كبيرة لقلوبنا، أولاد إخوته من جِيله مما جعلهم أصدقاء أكثر من علاقة خال بأولاد أخته".

 

زوجته التي لم تستوعب بعد صدِمتها في رحيل زوجها تعتذر عن التحدث معها لكن أخته تطرقت معنا عن علاقته بزوجه حيث كان حنوناً ورفيقاً لها، شوّقها أكثر لرؤية طفلتها الأولى فلا يطيب له حديث كما يطيب الحديث عن "سُهيلة"، كأن قلبه يعِرف أنه راحل فأوصل مشاعره لابنته قبل أن تأتي إلى هذه الدنيا، قدر واحد إذاً سيجمعه بوالدته التي تعلّقت روحه بها، ويُفرقه عن ابنته وزوجته!

 

هل كانت زوجته تعِرف عن طبيعة عمله الجهادي؟ تُجيب:" أخبرها من اللحظة الأولى للقائهما عن حبه للشهادة وطريق الجهاد، ودائماً يُحدثها عن ذلك لكن طبيعة العمل لم يكن يعرف عنها أحد".

 

أحمد قبيل رحيله بيوم كانت نظراته نحو أخته تُثير استغرابها، سألته:" ما بكِ يا أحمد؟ "، ردّ بعد أن أطال النظر فيها:" ديري بالك على حالك وأولادك"، ثم أوصلها إلى بيتها، وهو عاد إلى بيته. ليذهب في اليوم التالي إلى عمِله الجهادي ولم يعد حتى لو محمولاً على الأكتاف، أحمد فاكهة البيت وضحكته رحل شهيداً كما تمنى لكن دون وداع، فهل لأهله نظرة أخيرة في هذه الحياة!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق