بيت عزائه تحول إلى عرس

الشهيد البحيصي .. صعد بالشهادة من باطن الأرض!

الشهيد البحيصي .. صعد بالشهادة من باطن الأرض!
مقاومة

غزة/ دعاء الحطاب

اعلان سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين استشهاد مقاوميها الخمسة مفقودي « نفق الحرية» بخانيونس صباح الجمعة الماضية ، كان موعداً لإقامة العرس الذي ينتظره محمد البحيصي والذي سيزف اليه شهيداً الى جنات الخلد.  بعد انقضاء أربعة أيام من البحث عن جثامين الشهداء المفقودين، ساوم الاحتلال رجال المقاومة باستكمال البحث مقابل معرفة معلومات حول الجنود  الاسرى لدى حركة حماس، فما كان من أهالي الشهداء إلا أن قالوا كلمة الفصل حينما قرروا أداء صلاة الغائب على أرواح أبناءهم وإبقائهم لدى الاحتلال في الأراضي المحتلة 48، تحت شعار « فلسطين كلها مقبرة لأبنائنا، كما كلها مسجد لنا».

 

“أهلًا وسهلًا بالمهنئين في عرس الشهيد محمد البحيصي” كانت اللافتة معلّقة على مداخل بيت العزاء الذي أقامته العائلة للترحيب بالزائرين، حيث قال والده “أشعر أن اليوم هو فرحه ولا أستقبل التعازي إنما التهاني، وكل بيوت الشهداء كذلك". 

 

عرس الشهيد

 

داخل عرس الشهيد، كان الوالد يقف شامخاً فخوراً برحيل نجله يوزع الحلوى على المهنئين، ولسان حالة يردد " محمد عريس وغداً اللقاء في الجنة".

 

يقول والد الشهيد بابتسامة فخر:"اليوم نعيش أجمل فرحة وهي استشهاد ابني محمد وزفه لحور العين، الأجواء عندنا أجواء فرح وليس عزاء نوزع الحلوى ونستقبل التهاني لأن محمد حصل على ما يتمناه منذ سنوات، وأعطانا فخر أن نكون عائلة شهيد".

 

ويضيف والد الشهيد لـ"الاستقلال": " محمد منذ صغره كان يعشق الشهادة ويحب الجهاد، إذ التحق بالمساجد وانضم لسرايا القدس قبل عشرة أعوام، وفي كل يوم يزداد شغف الشهادة بقلبه لكونها الشرف الأعظم الذي يمنحه الله لمن أحب من عباده". 

 

ويتابع الوالد: " قبل فترة من استشهاد محمد كنا ننوي أن نزوجه، ففي كل مرة نقول له بدنا نزوجك ونجيب الك عروس، كان يضحك ويقول العروس موجودة أنا بدي أجيبها بس خلوني أرتب أمورى، كنا نأخذ حديثه على أنه مزح لم نكن نعلم أنه يخطط لشهادة وأن العروس ستكون حور العين ".

 

موعد مع الشهادة

 

ويروي البحيصي تفاصيل آخر لحظات في حياة نجله: " يوم الحدث استيقظ محمد باكراً وارتدى أجمل الملابس وتعطر وكأنه عريس، وجلس معنا وأخذ يمازح الجميع كعادته ويوصينا بالدعاء له، ومن ثم هم بالخروج سألناه الى أين قال إنه سيخرج مع أصدقائه وطلب أن ندعو له ثم خرج".

 

وأردف قائلا: " بعد ساعات من خروجه سمعت عبر الإذاعات المحلية أخباراً تفيد بقصف الاحتلال نفقاً للمقاومة على الحدود الشرقية لخانيونس، حينها انتابني القلق فبدأت بالاتصال عليه كي نطمئن لكنه لم يجب، وعندما تم الإعلان عن أسماء الشهداء السبعة زاد قلقي وحاولت الاتصال به بكثره وايضاً لم يجب فتيقنت أنه بداخل النفق".

 

" سلم على حبينا محمد"، ذلك هو نص الرسالة التي بعثها والد الشهيد على محمول نجله لعلها تكون آخر كلماتٍ يقرأها ابنه المحبوب قبل رحيله.

 

ويوضح البحيصي، انه بالفترة الأخيرة كان يتوقع بكل لحظه استشهاد نجله، لأن تصرفاته كانت توحي بقرب أجله، اذ كان بقمة روعته وبات الهدوء والسكينة يسيطر عليه، كذلك معاملته مع أشقائه وكلماته كانت توحي بأنه مُودع، مشيراً إلى أن أول بشريات استشهاده أن شقيقة الشهيد عبد العزيز أبو زعيتر صديق محمد، قد رأت في منامها أن شقيقها أخذ محمد بيده وكانا يبتسمان معا.

 

ويصف البحيصي، ابنه بأنه محبوب لدى أهله وأصدقائه وكل من عرفه، مطيع ومحب للجميع كان يعمل لينال ثواب الآخرة لا الدنيا، كتوم يعمل بصمت ولا يخبر أحداً بتحركاته وأعماله حتي والديه.

 

بدون وداع

 

بعد مرور يومين على قصف النفق من قبل طائرات الاحتلال، وتراجع الآمال في العثور على المفقودين أحياء، اندفع والد الشهيد البحيصي وأمثاله الى شرق خان يونس، وقلوبهم كانت تعلم علم اليقين أن أبناءهم أحياء عند ربهم يرزقون، لكن الأمل ظل يساورهم بانتشالهم أحياء حتى آخر لحظة.

 

ويقول البحيصي بألم: " ثاني يوم من الحدث توجهت الي مكان النفق وبقيت هناك طوال أيام البحث عن الجثامين، على أمل أن يخرج حياً فأكون بجواره أو يخرج جثمانه فأستطيع احتضانه وتوديعه، لكنه لم يحدث أيٍ منهما ولم أتمكن من وداعه، وبالرغم من ذلك نحن سعداء لأن الأرض احتضنتهم كما احتضنوها أثناء حياتهم".

 

نيل محمد شرف الشهادة التي طالما تمناها وسعي إليها، لم ينس والده ألم فراقة فمهما كان قلب الأب وطنياً لا بد أن يحزن لفقدان حبيبه. 

 

وبين البحيصي، أن استشهاد نجله ترك ألماً كبيراً في قلبه وقلب أحبائه، وترك فراغا لا يمكن أن يملأه أحد من بعده، وعزاؤه الوحيد أن نجله حقق حلمه بالشهادة، مؤكداً أن ايمانه بالله والقضية الفلسطينية منحه الصبر على فراقه وجعله يصر أكثر على التضحية بكل ما يملك والمقاومة في سبيل الله والوطن.

 

وأدى آلاف المواطنين في قطاع غزة بعد ظهر الجمعة الماضي صلاة الغائب على أرواح 5 شهداء فقدوا داخل نفق تعرض لقصف إسرائيلي شرق خانيونس جنوب القطاع، وذلك بعد تعذّر العثور عليهم.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق