آثار نفسية لا تقل تأثيراً عن المجازر

رغم انتهاء العدوان.. صواريخ الاحتلال تحول أحلام أطفال غزة لكوابيس

رغم انتهاء العدوان.. صواريخ الاحتلال تحول أحلام أطفال غزة لكوابيس
محليات

غزة/ دعاء الحطاب:

" ركامُ ينهال فوق جسدها الصغير، وأصواتٍ مُخيفة تغتال قلبها، ظلامُ دامس وغبار يحجب رؤيتها، وصراخات فرق الإنقاذ تردد "في حد هنا.. حد سامعنا؟؟، لتكون الإجابة صمتٌ مطبق وسيلاٌ من الدموع"، ساعاتٍ عصيبة عاشتها الطفلة سوزي إشكنتنا "7 سنوات" تحت أنقاض منزل عائلتها الذي دمرته طائرات الاحتلال الإسرائيلي خلال العدوان الأخير على قطاع غزة.

 

وبعد مرور12 ساعة من البحث تحت الركام، تمكن أحد المسعفين انقاذ حياة "سوزي"، فحملها بسكون الملائكة وهدوء المسنين، حتى ارتخت يديها وقدميها للأسفل بلا حركة، مضرجةً بدمائها، عيناها تُحدق بصمت بمن حولها، لتترك في ذاكرتها مشاهد قاسية وأوجاعٍ قد ترافقها مدي الحياة، خاصةً بعد استشهاد والدتها وأشقاؤها الأربعة.   

 

وتعكس الطفلة "سوزي" صورة مصغرة للحالة النفسية التي ما زال يعاني منها معظم أطفال غزة، الذين عاشوا أيامًا من جحيم الحرب والقصف وأصوات الصواريخ، بالإضافة إلى مشاهد الدماء والقتل والتدمير، حيث فقدت صوتها لفترة طويلة وما زالت تعاني من أعراض نفسية شديدة.

 

ويذكر أن وزارة الصحة بغزة أعلنت عن ارتقاء 255 شهيد من بينهم 66 طفل و 39 سيدة و 17 مسن و 1984 اصابة بجراح مختلفة جراء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة واستمر على مدار 11 يوميا.

 

عزلة وبكاء

 

"صامته، منعزلة، شديدة البكاء، كثيرة الصراخ، متعلقة بوالدها، بالكاد تأكل وتشرب، تكره الليل، خائفة، لا تكف السؤال عن والدتها وأشقائها"، هكذا وصف رمزي إشكنتنا ابنة أخية الطفلة "سوزي" منذ انقاذها ووالدها "رياض" من تحت الأنقاض.  

 

بغصة وألم، يقول إشكنتنا خلال حديثه لـ"الاستقلال":" سوزي دُفت 12ساعة تحت الركام، سمعت صراخ والدتها وأشقائها وهم يصارعون الموت، دون أن تستطيع أن تصدر أي صوت، فقد فقدت قدرتها على الكلام من شدة الصدمة"، متسائلا بحرقة:" كيف لطفلة لا تتجاوز الـ7سنوات تنسي الرعب والخوف والوجع اللي عاشته".

 

وأكد أن "سوزي" رغم مرور 20يوما على استهداف طائرات الاحتلال لمنزل العائلة، الا أنها لا تزال تعاني من حالة نفسية صعبة جداً، مشيراً الى أنها لا تتفاعل مع الناس من حولها ولا تريد سوا البقاء بجانب والدها الجريح.

 

وأضاف:" سوزي خلال ساعات النهار تتفاعل وتلعب قليلاً مع الأطفال، وبمجرد ابتعادهم عنها تبدأ بالصراخ والبكاء بشدة مستذكرة والدتها وأشقائها، أما ساعات الليل تقضيها بقطم أظافرها و الفزع واحتضان والدها، حتى يغلبها النوم". 

 

وأنهى حديثه قائلاً:" حسبنا الله ونعم وكيل بـ "اسرائيل" قتل الأطفال والنساء، بكل من يطبع ويخون ويُشارك في سفك دمائنا"، مطالباً المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الانسان بالوقوف على مسؤولياتهم وحماية أطفال غزة خاصة وفلسطين عامة من جرائم الاحتلال وعنجهية.

 

صدمة نفسية شديدة

 

ولم تكن حالة الطفلة ماريا ابو حطب "  5 سنوات" أفضل من سابقتها، فهي الأخرى تعاني من صدمة نفسية شديدة، بعدما ارتكب الاحتلال الاسرائيلي مجزرة مروعه بحق عائلتها و عائلته الحديدي بمخيم الشاطئ غربي مدينة غزة.

 

بصوت متقطع بالكاد يُسمع من شدة الألم، يروي علاء أبو حطب تفاصيل تلك الليلة:" ثاني يوم العيد جاءت أختي وأطفالها لزيارتنا والاطمئنان علينا، وبذات الوقت تريد أن تتناسي الخوف من القصف معنا، لكنني لم أظن للحظة أنها جاءت لقدرها، وأن هذا سيكون العيد الاخير لعائلتي".

 

ويتابع:" كانت الساعة تشير إلى الواحدة ليلاً، وكنّا آمنين في بيوتنا، لكن جاءت الصواريخ الحربية بشكل مفاجئ ودمرت المنزل المكون من 3 طوابق سكنية، مما أسفر عن استشهاد زوجتي وأبنائي الأربعة، وأختي وأطفالها الثالثة"، فيما بقيت " ماريا" والرضيع عمر الحديدي الناجيين الوحيدين من هذه المجزرة.  

 

وحول الحالة النفسية التي تعاني منها الطفلة ماريا، قال والدها:" ماريا كانت وسط الانفجارات و شاهدت النيران و موت والدتها وجميع أفراد العائلة أمام عينيها"، مضيفا:" ماريا وجدوها المسعفين جالسه بساحة المنزل و بحاله صدمة وذهول كبير، ومازالت حتي اللحظة تعاني وتستذكر المشهد".

 

وتابع:" الاحتلال قتل كل أفراد عائلتنا فلم يبقي لماريا غيري أنا، الأمر الذي جعل حالتها النفسية أصعب ، فهي طوال الوقت تسأل عن والدتها وأخواتها"، مردفا:" أحاول قد الامكان ادماج ماريا مع أبناء خالتها لعلها تجد السعادة معهم، وأخذها بشكل شبة يومي الى شاطئ البحر للترفيه عنها، كذلك نبعثها لجلسات تفريغ نفسي تقوم بها بعض المؤسسات، الا أنها حتى اللحظة لا تتفاعل مع الاخرين، وتقضي معظم وقتها بجانبي".

 

بغصة تعترض صوته، يصف أبو حطب العالم "بالظالم والمجرم" جراء صمته على قتل الأطفال والنساء، " أطفالنا ونساءنا يقتلوا بدون ذنب، وبيوتنا تهدم فوق رؤوسهم، والعالم يقف مكتوف الأيدي ولا يحرك ساكن، بل يصفق للاحتلال على ما يرتكبه من جرائم بحقنا"، " أطفالنا كانوا بملابس العيد بدهم يفرحوا، ما كانوا بطلقوا صواريخ، شو ذنبهم يموتوا؟"

 

اضطراب نفسي

 

ما بين تجربة نزوح الأطفال مع عائلتهم ولجوئهم إلى مدارس الأونروا واحتمائهم بها، وما بين خسارة بيوتهم وهدمها، أو حزنهم الشديد على فقدان أحد من عائلتهم، أو من نجوا وبقوا الوحيدين تحت الأنقاض وهم على قيد الحياة، أو من فقد أحد أطرافه نتيجة الإصابة.. كلها مشاهد مؤلمة لا تفارقهم وتتداخل مع حياتهم اليومية.

 

وبدوره، أكد درداح الشاعر المختص النفسي والاجتماعي، أن العدوان الإسرائيلي على غزة خلف آلام كبيرة ومآسي على ذوي الشهداء والجرحى وأصحاب البيوت المدمرة، بالإضافة الى حزمة كبيرة من الآثار النفسية والاجتماعية التي تضرب بالدرجة الأولى الأطفال.

 

وقال الشاعر لـ"الاستقلال":" إن الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً من أي عدوان أو حرب، لكون الطفل بطبيعته لا يدرك ما يدور حوله من أحداث، وتسيطر عليه مشاعر الطفولة والاعتماد المطلق على غيرة"، مشيراً الى أن الطفل في حالة الخوف يلجأ الى والديه واخوانه باعتبارهم السند الوحيد له، فاذا لم يجدهم تتوالي عليه الازمات النفسية والذكريات المؤلمة التي تظهر عليه لحقاً بشكل ردود أفعال نفسية عنيفة.

 

وفيما يتعلق بأبرز الاثار النفسية التي يعاني منها أطفال غزة، أوضح:" الأطفال يعانون من الاضطراب النفسي، وتقطع النوم بالليل، والبكاء الطويل والتبول اللاإرادي، وقطم الأظافر، الفزع والكوابيس، بالإضافة الى أن الطفل قد تنشأ لديه مشاعر عدوانية اتجاه الأخرين، وصعوبة بالتركيز والدراسة وتضارب العمليات العقلية، كذلك العزلة والانطواء".

 

وبين أن هناك أساليب واستراتيجيات من شأنها اخراج الطفل من الحالة النفسية التي يعاني منها، متمثلة بـ" أن تعود الأسرة الى نشاط حياتها اليومي بحالة طبيعية وتعاود ترتيب نظام الطعام والشراب والمبيت، وأن يتحكم الوالدين بردود أفعالهم و التحلي بقوة الاعصاب حتى لا تنتقل حالة الخوف منهما لأطفالهم، بالإضافة الى ضرورة استصحاب الأطفال الى الأماكن الترفيهية أو شاطئ البحر، وإلحاقهم ببعض الرحلات الترفيهية التي تقدم لهم الدعم والتفريغ النفسي".

 

ولفت الى ضرورة معاودة نشاط الطفل بالبيت من خلال ألعابه ورسماته وحركاته المتنوعة، وتوفير البيئة الأمنه لتنفيس عن انفعالاته، كما يُفضل إبقاء الطفل بجوار اخوانه أو أصدقائه الذين يشعر معهم بالأمان والرضي و السعادة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق