أزمة الخلق المسلم المعاصر... الشيخ نافذ عزام

أزمة الخلق المسلم المعاصر... الشيخ نافذ عزام
أقلام وآراء

الحلقة الخامسة

الشيخ نافذ عزام

وعودة للحديث عن أزمة الخلق التي تعصف بالعالم بشكل عام، والأمة الإسلامية بشكل خاص، وقد ذكرنا ظواهر عديدة لهذه وسنعرض في مقالنا هذا لظاهرة خطيرة وُجدت في فترات من تاريخنا وهي موجودة اليوم وتؤثر بقوة في حياة الناس ومعاشهم وهي ظاهرة الغلوّ والتطرف والتي تدفع أصحابها لإصدار أحكام قاطعة وصارمة على عموم المسلمين، ينشأ من تلك الأحكام فوضى وعنف وتشتت وتبعثر للطاقات والجهود، مما يعني تراجعا للمجتمعات العربية والاسلامية وفقدانا للقدرة على النهوض ومواكبة مسيرة الحياة.

 

بداية نود التأكيد على الطابع الرحيم للإسلام، واعتبار الرفق ركنا أساسيا في تقديمه للناس، ويشرح قيمه ومبادئه، ونصوص القرآن والسنة عديدة في هذا الجانب حيث يقول الحق تبارك وتعالى: «والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين» ويقول: «خذ العفو وأأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين»، وقال: «ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌ حميم»، ويقول: «ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور»، وهذه الآيات ترسم الخط العام لحياة المسلم، ولردود أفعاله على ما يحدث حتى لو تعلق الأمر باستفزاز له من إخوانه ومحيطه، وحتى لو شعر أنه صاحب الحق الكامل في هذه القضية أو تلك، وفي هذا الموقف أو ذاك.

 

ويزيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمر وضوحا وتفصيلا حين يقول: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله»، وفي الحديث الذي ترويه عائشة رضي الله عنها عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه»، وعنها رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع الرفق من شيء إلا شانه».

 

أحاديث واضحة في تأكيد المرونة في التعاطي مع الحياة وجوانبها المختلفة داخل المجتمع والأمة، بحيث يظل اللين وما أسماه النبي الرفق هو السمة العامة لقيم الإسلام، وطريقة عرضها، وآلية تطبيقها والعمل بها.. الرفق وليس التشدد.. الرفق وليس التطرف.. الرفق وليس الفظاظة.. والمؤسف بل المفجع أننا وضعنا الرفق خلف ظهورنا، وتعاملنا مع الناس بمنطق الشدة، والعنف والتقريع واستسهلنا إصدار أحكام التخوين والتكفير والتفسيق.. تعاملنا بشدة مع الناس ومع كل من نظن أنه لا يتفق معنا بشكل كامل رغم وضوح أحاديث النبي الداعية إلى الرفق بالناس، واللين معهم، وتعزيز التضامن بين أبناء الأمة، وإقالة عثراتهم إن أخطأوا أو قصروا أو ضعفوا.

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بال أعرابي في المسجد، فقام الناس ليقعوا فيه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، صبوا عليه ذنوبا من ماء».

 

وعن أنس رضي الله عنه قال عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا».. اليسر هو الأسا فالحياة، البشارة هي أجمل الأخلاق.. نحن للأسف قبلنا هذه المعايير، وتمسكنا بهذه القيم، فشددنا على الناس وعلى أنفسنا ونصبنا انفسنا قضاة على مسالك الناس وعلى ضمائرهم، فاختلت حياتنا، أصبحنا نتربص ببعضنا، ونتمنى أن يخطئ غيرنا، لنشمت به ونحط من قدره.

 

عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن  كان إثماً، كان أبعد الناس عنه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله تعالى «وفي العبادة تحديدا لا يجوز المغالاة والتشدد، وإذا علمنا باجتهاد ما، فلا يجوز اعتبار ذلك الاجتهاد هو الصواب المطلق، وكل ما عداه هو الخطأ المطلق يقول عليه الصلاة والسلام: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة».

 

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، دخل عليها وعندها امرأة قال: من هذه؟ قالت: هذه فلانة، تذكر من صلاتها، قال: «مه عليكم بما تطيقون، فالله لا يمل الله حتى تملوا».. إن المبالغة في العبادة ليست دليل الإيمان، وليست هي معيار الصدق والوعي كما يتضح في الحديث السابق.. ولعل تلك المبالغة وما رافقها من تشدد وتطرف هو ما أنتج العنف والتشويش في حياة الامة اليوم، فالظواهر التي مرت بتاريخنا كالخوارج مع سبيل المثال امتلكوا قدراً كبيراً من الشجاعة والزهد والصبر والصدق، لكنهم افتقدوا الأخلاق الأساسية وهذا ما أخرهم وتسبب في مآس عاشها المسلمون.

 

لقد افتقدوا خلق الرفق في أخذ الأمور، والمرونة في التعامل مع الناس.. وتسبب ذلك في غياب خلق الورع في الدماء، والاعتدال في الحكم على الناس، وإن فقدان خلق واحد من هذه الاخلاق، شوّش حياة الامة وملأ الأرض عنفا ودما ومفاسد، والمؤسف ان ما ساعد الخوارج على الولوغ في الدماء، وعدم التورع عن القتل حتى وصل الأمر لقتل كبار الصحابة، ما ساعدهم على ذلك اجتهادهم في العبادة وما كانوا عليه من كثرة الصيام والصلاة والقيام وقراءة القرآن وحفظه.. قادهم ذلك للاغترار والتوهم أنهم ملكوا الحق في تصنيف الناس والحكم على إيمانهم بل وملكوا الحق ايضا في قتل من يريدون حتى لو كان خليفة المسلمين، وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري الموجود عند البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعملكم مع عملهم، ويقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.. آتيهم رجل أسود ... قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فامر بذلك الرجل فالتمس فأُتي به حتى نظرت إليه نعت النبي الذي نعته».

 

هذه من أهم أزمات الخلق المسلم.. وضع الرفق وراء ظهورنا، وعدم التحرج من إصدار الاحكام على الناس، ومع امتلاك القوة عدم الورع في الدماء والارواح، إنها ازمة كبيرة عانت منها الامة في صدر الإسلام، ونعاني منها بشدة اليوم، وللأسف إن عدم التحرج في إصدار الاحكام على الناس، وعدم الورع في الدماء لا يقتصران على طيف أو تيار بعينه، بل ان تيارات ليبرالية وعلمانية تسلك طريق التشدد والتطرف وعدم قبول الآخر وكذلك ينطبق الأمر عل دول وحكومات، وهذا ما يفاقم الأزمة ويضاعف المسؤولية على الجميع للعمل الحثيث للخروج منها!!!

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق