الشهيد بدر.. أبصـر طريـق المقاومة منذ نعومه أظافره !

الشهيد بدر.. أبصـر طريـق المقاومة منذ نعومه أظافره !
مقاومة

 

غزة/ آلاء المقيد

بدر! صغير هو على كل الألعاب إلا تلِك التي يكون فيها عسكرياً شُجاعا، يُهاجم وينتصر على منافسيه من الجيِران، ثم يصيح الله أكبر فزت.. فزت، (جرافة، سِلاح بلاستيكي، ولِثام الكوفية) بهم عاش كامل طُفولته، قدره أن يكون فلسطينياً يعِيش في مساحة جغرافية صغيرة تألفها رائحة الشهادة. كَبُر البدر الصغير وعاش فيه هذا الحُلم، تحَدث كثيراً لأهله عنه، «لكنّه حديث شبل متحمس لا أكثر» هكذا كانت تعتقد أمه، مَضت الأيام والسنوات عاديةً، يعيش بينهم طبيعياً لا شيء يُثير استغرابهم عنه، ثم جاء اليوم الذي عِرفت فيه عائلة بدر أن ابنهم لم يكن يهذي وأنه بالفعل أصبح كما يُحب وينتمي إلى أحد الأذرع العسكرية في قطاع غزة.

 

للوهلة الأولى كان الأمر صعباً عليهم! كيف يُمكن ثنيه عن هذا القرار!، حين أمسكت بِه، كانت تعِرف أن شيئاً واحداً فقط يمكن للأم من خلاله أن تُرغم ابنها على ما تريد، دموع خوفها" أنا أُمك يا بدر، لا تُفجعني بفقدك!"، ومن قال أنّي سأموت قبل أن يشاء الله لي ذلك! (يقول بدر لأمه).

 

انتهي بينهما الحِوار، ولم يستطع كلاهما تقبل فكرة الآخر، ظلّت فترة "تتظاهر بالزعل وعدم الرضى"، لكنّه في كل مرّة يراها خلال اليوم تهزمهما ابتسامته الوادعة في وجهها ومداعبته إياها، فتنازلت وقِبلت بما يُريد، مُكللة طريقه بدعوات قلبها ورجائه أن يحفظ الله ابنها من أدنى مكروه يُصيبه، فيُصيبها ضعِفه.

 

انتظار ولكن!

 

الاثنين الثلاثين من تشرين أول/ أكتوبر لعام 2017، بدا الصباح عادياً على العائلة ذات التفاصيل اليومية تُعاد، دار حوار صباحي قصير بين بدر وأمه انتهى بـ " الله يساهل عليك يمه"، هو ذهب إلى عمِله تحت الأرض، وهي تاهت في أعمال المنزل، تُرتب وتنُظف، وتطبخ، كانت قد قررت مسبقاً أنها ستعدّ المفتول بناءً على طلبه، وبالفعل أعدّته وجهزّت السفرة لكن!

 

لم يأت بدر بموعده المعتاد الثانية مساءً من كل يوم، بين خوفِ وخِلق أعذار لتأخره، كانت الأم تتأرجح مع والده وإخوانه، حتى أُذيع خبر قصف نفقٍ شرق خانيونس وفقد الاتصال مع أصحابه، عِرفت سبب تأخره مع أنها لا تعِرف أي شيء عن عمله! لكن ثمة شعورٍ تعرفه الأم وحدها في مثل هذه اللحظات.

 

 لن يعود

 

"بدر منهم ولن يعود ليأكل المفتول الذي طلبه منّي". كلمات متقطعة تخللها دموع الحسرة حين نطقت بها أم الشهيد بدر أبو مصبح (23 عاماً) الذي استشهد مع رفاقه من سرايا القدس وكتائب القسام في النفق.

 

الشهيد أبو مصبح أنهى دراسته الجامعية في تخصص هندسة الكترونيات والتحق بصفوف سرايا القدس من سنوات، انسان كتوم للغاية لا يعِرف أحد ممن حوله عن طبيعة عمله الجهادي، حتى إنه كان يُفضل لبس اللثِام وهو يعمل داخل النفق.

 

ويُعرف عن بدر أنه قوي شديد العِزم يعِرف ما يُريد ويُنفذ ما يؤمن به، وأكثر ما يُميزه أنه لا يطيق زعل أحدٍ من أحبابه، فيختلف مع أخيه أو صديقه وبعد دقائق يعود ليُرضيه.

 

تقول أمه في حديثٍ للاستقلال:" بدر انسان هادئ، ومُطيع يعلم الله كم أحبّه، وكم كنت أدعو له لكن الله اختاره لصدقه وإخلاصه وهذا عزائي في فقده".

 

دائماً ما يترك الشهيد مواقف لا ننتبه إ ليها بعد الرحيل، فما هي مواقف بدر الأخيرة معكم؟ تُجيب بعد تنهيدة:" قلّ حديثه، متبسم دائماً، وقبل رحيله بيومين تأخر عن المنزل، وحين سألته عن السبب، قال إنه صادف خاله في الطريق، فأقله معه بسيارته، وتجولا معاً عدد من الأماكن في غزة، وكأنه كان يُودع المدينة التي يُحبها بطريقته".

 

وكغيرها من الأمهات اللاتي يكنْ في أوج فرحتهن حين يرين أولادهن شباباً وحان وقت تزويجهم، كانت أمه قد قررت مع والده تزويج بدر وأخيه الذي يكبره، لكن بدر صرّح لها:" زوجي فادي ومؤمن، وأنا اتركيني لحور العين" .

 

لم تتركه أمه .. لكنّ القدر شاء له أن يكون لحور العين، ليترك استشهاده مع الفخر به جرحاً غائراً في قلوب أحبابه لاسيما وأنه من الشهداء الذين لم تستطع فرق الانقاذ اخراجهم من النفق.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق