الشهيد الحمري.. اختار طريق الشهادة سراً !

الشهيد الحمري.. اختار طريق الشهادة سراً !
مقاومة

غزة/ دعاء الحطاب

بسعادة غامرة وابتسامات ملأت الأرجاء، حزم شادي في ساعات الصباح الباكر أمتعته، طالباً من أهله الدعاء له بالتوفيق في رحلته مع رفاقه، فقط هذا ما تعلمه العائلة باستثناء شقيقته الوحيدة «مي» التي كانت تبصر طريقه منذ البداية وتدرك أن رحلته ستكون في باطن الأرض كما عادته. 

 

ومع خروج الشهيد شادي الحمري ( 24 عاماً) من المنزل، عاد كل شيء لصمته وسكونه إلا قلب شقيقته الذي يرتجف خوفاً عليه ويترقب عودته سالماً، لكونها تعي تماماً مدى خطورة عمله داخل أنفاق المقاومة والتي من الممكن أن تنطبق عليه ورفاقه بأي لحظة.

 

مضت الساعات بثقلها، وعينا "مي" تراقبان عقارب الساعة المتأرجحة يميناً و يساراً، منتظرة توقفهما على تمام الساعة الثانية ظهراً لتعلن معها موعد رجوع شقيقها المحبوب لبيته، لكنها لم تكن تتوقع أن بإتمامها ستعلن الإذاعات المحلية خبر قصف أحد أنفاق المقاومة شرق خانيونس من قبل الطائرات الإسرائيلية وفقد الاتصال مع من بداخله.

 

الفاجعة

 

وقع خبر قصف النفق كالصاعقة على قلب "مي"، ورغم أنها تعلم أن الفراق آت لا محال إلا أنها لم تستطع تحمل فكرة أن يكون شادي بداخله، وبقيت تنتظر رجوعه ولسان حالها يردد " يارب سلم".

 

وبتنهيدة خرجت من أعماقها، تروي مي شقيقة الشهيد تفاصيل ذلك اليوم: " يوم الاثنين 30 اكتوبر الماضي، كنا جميعا بالبيت ننتظر عودة أخي شادي في تمام الساعة الثانية ظهراً لتناول الغداء، لكنه لم يأت ومع اعلان قصف النفق أصابني رعب وخوف كبيران عليه".

 

وبعد ساعة من الانتظار، لم تتمالك " مي" نفسها ولم تستطع الصمت أكثر، فما كان منها إلا أن أزاحت الستار عما تخفية، وتخبر العائلة بأن رحلة شادي كانت داخل أحد الأنفاق، وبمفاجأتهم بهذا الخبر الذي نزل كالصاعقة على مسامعهم، أخذ كل منهم يهرول مسرعاً ليجد وسيلة ليبحث فيها عن شادي.

 

وتتابع والدموع تملأ عينيها:" بمجرد معرفتنا بأن شادي داخل نفق، أسرع أخي الكبير الى منطقة النفق كي يتأكد إن كان شادي هناك أم لا، لكنه لم يستطع الحصول على أي معلومات وقام بالاتصال بأصدقائه وجميعهم لا يعلمون شيئاً عنه، في الساعة الخامسة توجه والدي للمستشفى وعلمنا ان هناك شهداء مفقودين بالنفق".

 

بين لوعة الانتظار ودموع الرجاء ظل أهله يتأرجحون لأيام حتي ثبت أخيراً  أنه مع المقاومين الخمسة الذين تعذر الوصول إليهم، لتعلن سرايا القدس عن استشهادهم، ولتحتضنهم الأرض بدلا من أن تحتضنهم أحضان أمهاتهم.

 

وأضافت والألم يعتصر قلبها: " فقدان شادي فاجعة كبيرة بالنسبة لنا، ولا أستطيع تقبل فكرة رحيله ففراقه موجع للغاية وصدمة كافية لئلا يستوعب عقلي أو يرضى قلبي باستشهاده، ورغم فتح بيت عزاء له الا انني لازلت أنتظر رجوعه" متسائلةً بغضب: هل يعقل أن يقام عزاء دون ميت، وهل يعقل أن يكون هناك جنازة دون جثمان؟ .

 

صندوق أسراره

 

الحكايات والمواقف عن الشهيد شادي لا تنتهي، فإلى جانب شخصيته المرحة داخل أسرته ومع أصدقائه، تمتع بالسريّة التامة والكتمان خلال عمله في المقاومة، فلا أحد يعلم أنه التحق بصفوف المقاومة سوى شقيقته التي لقبها بـ" صندوق أسراره".

 

العلاقة بين الشقيقين ليست علاقة أخ بأخته، فبينمهما صداقة مقربه وأحاديث خاصه تختلف عن بقية أشقائه، حتى كان الشهيد يخفي كل ما يتعلق بعمله لدى شقيقته وكانت هي من تسهل طريق خروجه من المنزل دون أن يلاحظ أحد ذلك.

 

وتقول مي لـ لـ"الاستقلال": " ظهر حب شادي للمقاومة منذ الحرب الأخيرة على غزة،؛ اذ كان يساعد ابن عمه الشهيد تامر الحمرى في أعماله الجهادية، لكنه التحق رسمياً بالمقاومة بعد الحرب وكان لدية خبرة في القنص والعمل الميداني حتي الانفاق التي تفرغ للعمل بها بشكل كبير".

 

ألم الفقد

 

وحين تجلس مع والد الشهيد، تدرك أن غيابه كان أمراً صعباً للغاية، فقد بدا ذلك في حديثه المؤثر الذي نعى خلاله شادي بكلمات مؤثرة مزجت بين آلام الفقد وعبارات الرثاء.

 

"من يعرف شادي يشهد له بحسن الخلق والدين وطيبة القلب والمرح وكان يقف مع كل من يحتاج لمساعدة دون تردد"، بصوت يملؤه الحزن تحدث والد الشهيد بكلمات بسيطة، واصفاً بها شخصية نجله التي رافقته طيلة حياته.

 

ويقول لـ"الاستقلال" :" عادة كل يوم أوقظه لنصلي الفجر جماعه في المسجد، أما ذلك اليوم فتأخرنا عن الصلاة وصلينا جماعه في البيت، وجلس يتحدث معنا ويمازحنا وكان وجهه يشع نوراً كالبدر، بعد نصف ساعه استأذن منا للخروج مع رفاقه وطلب منا الدعاء له، قلنا له الله يسهل عليك ثم ابتسم وخرج، لكنه لم يعد".

 

ويتابع بصوتٍ مرتجف: " شادي كان يطلع في ساعات متأخرة من الليل وأحياناً في ساعات الصباح الباكر، وعندما أسأله عن سبب خروجه يجيب بأن لديه عملا، لكن لم يخطر ببالي أن عمله سيكون بالجهاد والأنفاق، فقد كان يخفي عنا جميعاً حبة للمقاومة والعمل بها".

 

وأضاف والد الشهيد:" قبل استشهاده بفترة لاحظنا تغيراً عليه، فقد أصبح أكثر تقرباً منا يسعى إلى ارضائنا بشكل أكبر، كانت لديه قناعات بحق الفلسطيني الأكيد في مقاومة الاحتلال، وكان لديه تلميحات باختياره هذا الطريق من خلال رفض الزواج".

 

وأوضح والألم يعتصر قلبه:" استشهاد شادي صدمة كبيرة لنا، ما كنت بيوم اتوقع انه يستشهد خاصة في هذا العمر، وفراقه صعب جداً وقلوبنا تعتصر ألماً وحزناً على فراقه، فليس من السهل فقدان ابن تعبنا بتربيته ونشاهد نموه يوماً بيوم ونتمنى أنه يكبر ونشوف أولاده".

 

وأنهى حديثه قائلاً: "قبلنا قدر الله في رحيل ابننا فداءً لفلسطين، وهذا عمل مشرّف وأنا أشهد له بالخلق وهو رجل بمعنى الكلمة".

التعليقات : 0

إضافة تعليق