عملية التغيير المتسارعة في السعودية ومخاطرها

عملية التغيير المتسارعة في السعودية ومخاطرها
ترجمات

ترجمة: مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية –

 (عن مركز دراسات الأمن القومي - عاموس يدلين ويؤال جوزنسكي)

 

التعقيدات الداخلية الأخيرة التي مرت بها العربية السعودية، والتي برزت بالاعتقال غير المسبوق وبتعداد مئات المسؤولين، بينهم أشخاص نافذون في اقتصاد البلد والإعلام والسياسة، والذي ظاهره مكافحة الفساد؛ قد يتضح أنها تطور تاريخي.

 

بموجب مرسوم ملكي أقيمت «اللجنة العليا لمكافحة الفساد» برئاسة ولي العهد محمد بن سلمان، والتي من صلاحياتها التحقيق مع المشتبهين وتوقيفهم وكذلك تجميد ممتلكاتهم. في موجة الاعتقالات اعتقل المئات، من بينهم 11 أميرًا من أبناء العائلة المالكة، وأربعة وزراء عاملين ووزراء سابقون ورجال أعمال، من بين المعتقلين الملياردير الوليد بن طلال، ناقد معروف من العائلة المالكة. في ذات اليوم تحطمت - في ظروف غامضة - مروحية كان على متنها مسئولون سعوديون، على رأسهم منصور بن مقرن، الخصم اللدود لابن سلمان منذ ان طرد أبوه من منصب ولي العهد. إلى الآن لم يعرف بعد ما هو مصير الأمير عبد العزيز بن الملك فهد، وهو الآخر منتقد شديد لابن سلمان.

 

موجة الاعتقالات يُراد منها على ما يبدو إزالة المعارضين عمليًا أو بالقوة عن طريق محمد بن سلمان إلى التاج. إضافة إلى ذلك، فقد فتح ولي العهد الجبهة الداخلية في الوقت الذي فيه العربية السعودية متورطة في عدد من الجبهات الخارجية بالشرق الأوسط: في مواجهة إيران في اليمن، وفي مواجهة حزب الله في لبنان، وفي مواجهة قطر؛ الجمع بين المواجهات الخارجية والصراعات السياسية الداخلية يستدعي مراجعة مستمرة للتطورات التي من شأنها ان تمس باستقرار المملكة.

 

الخصومات بين الأمراء التي قادها في الصراع على كرسي العرش كل من محمد بن سلمان ومحمد بن نايف أدت في السنتين الأخيرتين إلى التخوف من صراع داخل القصر سيهدد الاستقرار، في الأثناء، ورغم أن قوات الأمن الداخلي في المملكة تخضع لابن نايف، إلا أنه أزيح من منصبه كولي للعهد ووزير للداخلية في يونيو 2017، وقيل بأنه وضع قيد الإقامة الجبرية مع المقربين منه.

 

توحيد صفوف الأمراء الكبار كان مصدر قوة للمملكة على مدار سنوات، أكثر من مرة أثيرت صراعات قوى بين أبناء بن سعود من أمهات مختلفة. على هذه الخلفية أوجدت معسكرات سياسية حددتها العلاقات العائلية، لكن هذه الصراعات جرت خلف الأبواب المغلقة، وعمليًا فقد وجد توازن قوى في بيت العائلة المالكة عندما عمل الملك بوصفه الأول بين المتساوين، كان واضحًا لجميع الأمراء ان قوتهم تكمن في وحدتهم. على مدار السنوات، وبهدف الحفاظ على التوازن بين فروع العائلة، وزع الملوك بين المعسكرات المناصب العليا، بما في ذلك السيطرة على القوى الأمنية. الآن ابن سلمان يسيطر على مراكز القوى الأمنية المركزية الثلاثة: الجيش النظامي والقوى الأمنية الداخلية والحرس الوطني، وعندما يصبح ابن سلمان ملكًا ستكون هذه هي المرة الأولى التي ينتقل فيها التاج إلى جيل أحفاد بن سعود مؤسس الدولة. عدا عن ذلك، فهذا الأمر لم يرتب بما يوافق السياق الذي في إطاره انتقل الحكم في جيل أبناء بن سعود، لذلك فقد كان مصدرًا للتوتر الملحوظ والمواجهات بين الأمراء.

 

خطوات ابن سلمان يُنظر إليها بشكل أقل على أنها مكافحة حقيقية للفساد، وأكثر كمحاولة من جانبه لتحصين قوته وموقفه؛ رغم ان نمط حياته الترفيهي لا يختلف («نيويورك تايمز» أوردت تقريرًا عام 2016 جاء فيه ان ابن سلمان اشترى يختًا فاخرًا بـ 500 مليون دولار)، لذلك يبدو ان ابن سلمان عمل بهدف وقف الانتقادات الموجهة إليه من قبل فصائل منافسة في العائلة وكبح جماح تبلور معارضة لحكمه، بل ربما كانت خطواته تعكس التطلع إلى نقل التاج إليه سريعًا.

 

في الأثناء يتزايد إحباط الجمهور الذي كان معتادًا على وفير العيش الذي مصدره مدخلات النفط إثر انخفاض الأجور وتقليص المنح وغلاء المعيشة على خلفية انخفاض أسعار النفط في السنوات الأخيرة؛ إذا استمرت هذه الاتجاهات فإن ابن سلمان قد يخسر دعم شباب المملكة. موجة الاعتقالات والتخوف من عدم الاستقرار السياسي من شأنهما أيضًا أن يجعلا من الصعب على المملكة ان تسخر المال الأجنبي الحيوي بالنسبة لها من أجل تطبيق الخطط الطامحة التي أعلن عنها ولي العهد واستبعاد المستثمرين المحتملين.

 

في سبتمبر 2017 اعتقل رجال دين وأكاديميون وصحفيون بسبب الانتقادات التي أبدوها ضد سياسة ابن سلمان الاقتصادية وضد تصرف الرياض في الأزمة مع قطر (التي فاقمت الانقسام بين دول الخليج دون ان يطرأ أي تغير على سياسة قطر) وبسبب الحرب في اليمن التي بدأها ابن سلمان، والتي يبدو انها بعيدة من الحسم. بهذا الخصوص يذكر ان سلوك ابن سلمان الاستراتيجي - بعد السنوات التي كانت فيها سياسة العربية السعودية تمتاز بضبط النفس والحذر - أثار تخوفًا أيضًا في أوساط الهيئات الاستخبارية الغربية بسبب المخاطر على استقرار المملكة.

 

ابن سلمان - الذي يحظى بتشجيع علني من قبل رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب - يجر المملكة العربية السعودية باتجاه حكم أحادي القطب. العهد الذي تميز بالخلاف الشديد يبدو أنه بلغ نهاية مطافه، العهد الذي تميز بالتنازلات وإبداء التضامن بين الأمراء، وبالتالي أسهم في استقرار المملكة على مدار السنين. الحكم في العربية السعودية حول إلى حد كبير إلى عرض رجل واحد ما يزال لم يسجل أي إنجازات مهمة، وإنما ركز على تحصين موقفه وقوته. ابن سلمان الذي يسعى إلى إجراء تغييرات ضرورية - وإن بطريقة حثيثة متسارعة في جميع مجالات الحياة في المملكة - ينعزل باسم ذلك عن موروث اتخاذ القرارات الجمعية، ويواجه من بين ما يواجه المؤسسة الدينية والنخب الاجتماعية والاقتصادية، الذين من غير الواضح على الإطلاق فيما إذا كانوا سيتلقون سلطانه بخضوع نهاية هذه العملية مسربلة بالغموض.

 

اليوم المملكة تواجه تحديات بكل المعايير؛ من هنا يجب دراسة مدى تأثير الأزمة الحالية الخارجي المحتمل: هل التقلبات السياسية في العربية السعودية ستفسر من قبل خصومها على أنها ساعة مناسبة بالنسبة لهم لزيادة الضغط عليها؟ وهل ابن سلمان سيخرج من هذه الحكاية زعيم المملكة الذي لا يشق له غبار أم انها أمام عهد من عدم الاستقرار لا يمكن التنبؤ بنهايته؟

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق