حسن الظن الفضيلة الغائبة

حسن الظن الفضيلة الغائبة
دنيا ودين

أ.محمد شحادة

لا تكاد تجلس في مكان أو زمان، إلا تجد الخصلة السيئة للناس في سوء الظن، واخذ الناس بالإشاعات ،  قد أخذت جزءاً كبيراً من حديثهم ، وهمساتهم ، وحواراتهم ، وجميعهم يشتركون بسوء الظن الذي يوقعهم في الغيبة والنميمة ورمي الناس بالباطل..وهذا الداء الخطير جريمة إنسانية ، وخطيئة دينية كبيرة ،فإسلامنا دين يدعو إلى حسن الظن بالناس والابتعاد كل البعد عن سوء الظن بهم ؛ لأن سرائر الناس ودواخلهم لا يعلمها إلا الله تعالى وحده , قال تعالى) : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) 12.الحجرات.

 

في هذه الآية آداب التعامل بين المؤمنين، بهذه الآداب تمتن العلاقات بين المؤمنين، وبخلاف هذه الآيات تتفكك عُرى المحبة والمودة بين المؤمنين، فالمؤمنون إذا اجتمعوا هم أقوياء، وإذا تفرقوا أصبحوا ضعفاء، قوة المؤمنين في اجتماعهم، واجتماعهم هذه أسبابه، فالغيبة تفرق، النميمة تفرق، البهتان يفرق، الكذب يفرق، أي مخالفة في هذه الآيات من مضاعفتها تفتيت العلاقة بين المؤمنين، المشكلة أننا إن لم نطبق هذه الآيات، هناك خلاف داخل الأسرة، وداخل العائلة، وداخل العشيرة، وداخل القبيلة، وداخل البلد، خلافات داخلية تفتُ في عضد المسلمين، خلافات داخلية تمزقهم، تضعفهم، والخلافات من لوازم البعد عن الله عز وجل.

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، وَلاَ تَحَسَّسُوا ، وَلاَ تَجَسَّسُوا ، وَلاَ تَحَاسَدُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَلاَ تَبَاغَضُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا».

 

فسوء الظن يؤدي إلى الخصومات والعداوات , وتقطع الصلات , قال تعالى : « وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) سورة النجم .

 

وليس أريح لقلب العبد في هذه الحياة ولا أسعد لنفسه من حسن الظن، فبه يسلم من أذى الخواطر المقلقة التي تؤذي النفس، وتكدر البال، وتتعب الجسد.

 

قال تعالى : « وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) سورة الأنعام .

 

والمراد بالنهي عن ظن السوء كما قال الخطابي هو تحقيق الظن وتصديقه دون ما يهجس في النفس فإن ذلك لا يملك .

 

قال النووي ومراد الخطابي أن المحرم من الظن ما يستمر صاحبه عليه ويستقر في قلبه دون ما يعرض في القلب ولا يستقر فإن هذا لا يكلف به ومعناه احذروا اتباع الظن واحذروا سوء الظن بمن لا يساء الظن به من العدول ، والظن تهمة تقع في القلب بلا دليل . انظر : شرح النووي على مسلم 8/357.

 

فإن المسلم بناء على ذلك مأمور بأن يحسن الظن بإخوانه، وأن يحمل ما يصدر عنهم من قول أو فعل على محمل حسن ما لم يتحول الظن إلى يقين جازم، فالله عز وجل أمرنا بالتثبت فيما يصدر من الغير نحونا ونحو إخواننا قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)[الحجرات: 6] فكم أوقع سوء الظن السيء من فراق بين المتحابين، وقطيعة بين المتواصلين، ولو لم يكن الظن على درجة عظيمة من الخطورة والأهمية في إضعاف روح الموالاة بين المؤمنين لما أكد الباري عز وجل على ذلك في الكتاب والسنة.

 

عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:إِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ : هَلَكَ النَّاسُ ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : لاَ أَدْرِى أَهْلَكَهُمْ بِالنَّصْبِ ، أَوْ أَهْلَكُهُمْ بِالرَّفْعِ.

 

فما لنا وقد أمرنا الله ، بحسن الظن، وجعله سبب ترابط الناس وإشاعة المحبة والصداقة بينهم ، ولو قرأت أي كتاب في الإدارة والتعامل وترك القلق، لوجدت ان حسن الظن هو مفتاح للراحة والاستقرار ..ومن الآثار الطيبة لحسن الظن:

1- العلاقات الاجتماعيّة السليمة.

 

من الواضح أنَّ حسن الظنّ بالآخرين يحافظ على سلامة العلاقة الاجتماعيّة، وعدم تفسّخها، لما لها من أثر في تعميم ثقافة أصالة الخير في عمل الناس.

 

2- السعادة الشخصيّة.

مما لا يخفى أن منشأ سعادة الإنسان يقتصر على أمر واحد هو اطمئنان القلب وراحته وسكينته، وهذا ما يجده الإنسان من خلال حسن ظنّه بالناس، عن الإمام عليّ: «حسن الظنّ راحة القلب»9.: «حسن الظنّ يخفّف الهمّ».: «إنّ حسن الظنّ يقطع عنك نصبًا طويلا».

 

3- النجاة في الآخرة.

إن حسن الظنّ يبعد الإنسان عن تحمّل ذلك الحرام، وهذا ما أرشد إليه الإمام عليّ عليه السلام بقوله: «حسن الظنّ ينجّي من تقلّد الإثم»13.

 

فعلى المسلم : أ ن يستحضر في قلبه وعقله آفات ومصائب سوء الظن بالناس وعدم تزكية نفسه بالشك بهم، قال سفيان بن حسين: (ذكرت رجلاً بسوء عند إياس بن معاوية، فنظر في وجهي، وقال: أغزوتَ الرومَ؟ قلت: لا، قال: فالسِّند والهند والترك؟ قلت: لا، قال: أفَتسلَم منك الروم والسِّند والهند والترك، ولم يسلَمْ منك أخوك المسلم؟! قال: فلَم أعُد بعدها).

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق