على أبواب الحرب الكبرى

على أبواب الحرب الكبرى
أقلام وآراء

الاستقلال / غزة:

 

إبراهيم الأمين

ليس أفضل من العدوّ في قراءة أحوال المقاومة في كل الساحات العربية. معركة «سيف القدس» وسّعت آذان قادة الجهات الأمنية والعسكرية المعنيّة في كيان العدو، وبات الأمر يتعلّق بحسابات من نوع مختلف. والعدوّ نفسه الذي يدرس ما فعله الفلسطينيون خلال 11 يوماً، ليس في الميدان فحسب، بل على صعيد العالم، يكثّف مراقبته لردّ فعل حلفاء المقاومة الفلسطينية. وفي الكيان، اليوم، من يعتقد بأن حزب الله في لبنان كان أول من استخلص العبر من حرب غزة الأخيرة. وهذا صحيح على نحو يتجاوز، ربّما، ما يفترضه العدوّ من حسابات ذات طابع مهني، إذ إن المسألة ببعدها الاستراتيجي أخذت مساراً جديداً.

 

في ذكرى حرب تموز 2006، ليس لدى الجانبين أوراق جديدة قابلة للنشر. هناك أسرار قد تبقى مدفونة إلى زمن طويل. لكن الدروس الأساسية، والأحداث التي تلت، جعلت من تلك الحرب مناسبة لإعادة تثبيت قاعدة وحيدة في عقل الجميع: المقاومة قادرة على الانتصار!

 

هذه القناعة، الموجودة أساساً لدى المقاومين وأنصارهم، باتت محفورة أيضاً في وعي العدو. هذا لا يعني أنه يسلّم بالهزيمة في أي حرب جديدة، بل يعني أنه مضطر إلى تحضيرات تأخذ في الحسبان كل احتمال يؤذيه أو يجعله في حالة الانكسار الكبير. وما يدور في خلد قادة الكيان، وعلى مستوى الرأي العام فيه، تتبدّى تعبيراته في أكثر من مكان، وخصوصاً هذه الأيام التي يتابع العدوّ فيها، بدقّة، تطورات الساحة اللبنانية. صحيح أن في تل أبيب من يراهن على فرصة تعرّض المقاومة لتهديد داخلي بفعل الأزمة الاقتصادية الخانقة. لكنّ العدوّ يخشى، انطلاقاً من تجربته مع لبنان، أن تعمد المقاومة الى تحويل هذا التهديد الى فرصة ضده، ليس هرباً من الأزمة الداخلية، كما يحلو لكثيرين القول، بل للإشارة إلى أن لفكرة الفوضى الشاملة حسابات مختلفة، وأن من يعتقد بأن المقاومة ستكون عرضة للإنهاك في حالة الفوضى اللبنانية، عليه الأخذ في الحسبان أن الفوضى، في ذاتها، لطالما مثّلت فرصة لفكّ القيود التي تحول دون إقدام المقاومة على ما من شأنه إحداث تحوّلات في وجهة الصراع الكبير في المنطقة.

 

هذا يعني أن النقاش حول واقع لبنان اليوم، قد ينظر إليه العدوّ من زاوية السؤال المحيّر حول ما يمكن أن يكون عليه الوضع في اليوم التالي.

 

لنأخذ، مثلاً، ما كتبه ناحوم برنيع في «يديعوت أحرونوت» عن أن «الزمن يلوّن أحداث حرب لبنان الثانية بألوان أكثر تعقيداً. 15 عاماً من الهدوء التام تقريباً على الحدود الشمالية لا يُستهان بها. لكن هناك عشرات الآلاف من الصواريخ التي جمعها حزب الله، بما فيها صواريخ دقيقة تهدد اليوم كل موقع استراتيجي في البلاد، لا يُستهان بها أيضاً»، ليخلص الى القول: «في عام 2006، كان لبنان دولة. اليوم، لبنان فريسة تنتظر مفترسها. إنه ساحة معركة مستقبلية للحرب التي من المؤكد أنها ستندلع».

 

وإلى ما سبق، أضاف يوسي يهوشع، مراسل الشؤون العسكرية في «يديعوت»، ما يمكن اعتباره مفتاح النقاش الأكثر خطورة بين الجهات الاحترافية في كيان العدو. إذ ينقل عن نائب رئيس الأركان الحالي (المنتهية ولايته) اللواء أيال زامير قوله: «أمام معركة متعددة الساحات، سيحتاج الجيش الإسرائيلي إلى كتلة حرجة نوعاً وكمّاً». كان زامير يلفت انتباه خلفه (ويحذّره) بأن ما لا يجري التداول به إعلامياً حول الاستحقاقات الداهمة على الجيش كبير جداً. وهذا التحذير، هو سياق مهذّب لانتقاد ضمني وقاسٍ لرئيس الأركان أفيف كوخافي الذي جاءت حرب غزة الأخيرة لتقضي على نظريّته العسكرية حيال القدرة على عمل كبير ينسّق بين الجو والبر، في ظل كثافة نارية تستند الى استخبارات قوية، ما يتيح نصراً حاسماً وسريعاً.

 

ما سرّ الهدوء؟

بعد أسابيع على انتهاء الحرب في عام 2006، كانت المقاومة في لبنان مشغولة ببرنامج لترميم القدرات العسكرية والقتالية بعد حرب قاسية. عملياً، قاد الشهيد عماد مغنية أوسع عملية تطوير للبنى العسكرية والأمنية للمقاومة، استندت الى خطة تقضي بجعل القوة الصاروخية قادرة على العمل بكثافة ونوعية تفوق بكثير أداءها خلال الحرب. صحيح أنه استفاد من دعم غير مسبوق قدّمته إيران وسوريا. لكنه أوجد أرضيّة لبناء عقيدة قتالية تسمح بتوسيع هامش الخيارات على مستوى التسلح من جهة، وعلى مستوى العمليات العسكرية من جهة أخرى. يومها، كان محسوماً لدى قيادة المقاومة أن خيار الحرب الهجومية بات في متناول الأيدي، وأن على الجهات المعنية توفير عناصر النجاح الخاصة به. أكثر من ذلك، فعّل حزب الله برنامج عمل استخبارات نوعياً أتاح له التقدم أشواطاً كبيرة في فهم العدو وآليات عمله ومتابعة كلّ شؤونه العسكرية والأمنية. والأهمّ أن هذا جرى في سياق برنامج نجح في تدمير بنى متكاملة لاستخبارات العدو داخل لبنان، وفي تعطيل قدرات استخباراتية غير بشرية أيضاً.

 

عندما قامت المقاومة بذلك، كانت تتصرف على قاعدة أن الحرب التالية ستقع في أي لحظة. وعملياً، كان العدو يتصرف على هذا الأساس، وعلى أساس أن عمله ينطلق من حافزية مزدوجة: الأولى تتعلق بالانتقام للهزيمة، والثانية تتعلق بمنع تعاظم قدرات المقاومة. وهو عمل، ليل نهار أيضاً، وأطلق برنامج مناورات غير مسبوق يتعلّق بالجبهة الشمالية، وتصرّف العدو بطريقة مختلفة مع لبنان وسوريا، فلجأ الى أعمال كبيرة في سياق ما يعتبره منع تعاظم القوة. لكن لم يحصل أن أقدم العدو على شن الحرب. وهذا له أسبابه التي لا تتعلّق بنقص في الحافزية لدى قياداته السياسية والعسكرية والأمنية، بل بأمور أخرى، من بينها، إن لم يكن من أبرزها، الخشية من الفشل الجديد.

 

الفشل، هنا، لا يتعلق بعدم القدرة على توجيه ضربات قاسية للبنان أو للمقاومة، بل يتعلق بأن مثل هذه الضربات قد لا تكون كافية لتحطيم المقاومة أو شلّ قدراتها العملياتية. وهو فشل يحتمل ما هو أخطر إن كانت المقاومة مستعدة لتعزيز نقاط قوتها حتى خلال الحرب، من خلال اللجوء الى أساليب وتكتيكات تتيح تحقيق نقاط بارزة على جيش العدو، وربما في سياق لا يرد في حساباته.

 

وسط هذا «اللايقين» الكبير، كان العدو يلجأ الى الرهان على خيارات بديلة من شأنها إنهاك المقاومة أو إضعافها، من نظرته الى الأزمة الداخلية في لبنان وبروز جماعات لبنانية كبيرة ضد المقاومة وسلاحها، مروراً بالحرب التي اندلعت في سوريا، الى الوضع المتردّي في العراق والحصار الآخذ بالتصاعد ضد إيران. لكنه، في الوقت نفسه، كان مشغولاً في مراقبة عدّاد كان هو من وضعه: 30، 40، 50، 100... وصولاً الى 150 ألف صاروخ، قبل أن يتقرر وقف العدّ، والانتقال الى معيار آخر: متوسط المدى، طويل المدى، أرض ــــ أرض تقليدي، باليستي قابل للتموضع بطرق مختلفة، دقيق ضمن هامش أخطاء يصل الى عشرات الأمتار، وصولاً الى دقيق بهامش خطأ أمتار قليلة جداً... وإلى جانب ذلك، ظهر على السطح الكلام عن سلاح كاسر للتوازن تارة، وتارة أخرى عن فرق بشرية تستعد لعمليات اقتحامية للمستوطنات الشمالية، وصولاً الى الحديث عن قدرات نوعية للمقاومة على صعيد الدفاعات الجوية، من دون إغفال الهاجس الدائم: الطائرات المسيّرة!

 

عملياً، كان العدو يضع على الطاولة أمامه جملة من العناصر التي تصلح لرفع مستوى الحافزية لشن الحرب، لكنها تصلح أيضاً لأن تكون أداة بيد القيادة السياسية لكبح جماح العسكريين، أو وسيلة تتيح لمن يخشى الخسارة الكبرى رفع الصوت داعياً الى مزيد من الاستعداد. كل ذلك يحتاج الى وقت وجهد، وإلى أعمال مفروضة على جدول أعمال العدو وليست من بنات أفكاره أو من صنعه. وهذا ما قاد الى السؤال الأكثر قلقاً: هل وصلت جاهزية المقاومة الى مستوى يمكنها فيه شن الحرب ابتداءً؟

 

مناورة «سيف القدس»

عند هذا الحدّ، يمكن تلمس منظومة الردع التي جعلت العدو يتصرف على أساس أن الجبهة اللبنانية لم تعد متاحة كيفما اتفق، وأنه يمنع عليه القيام بعمل عسكري، أو حتى أمني، ضد المقاومة في لبنان. وهو أقرّ، ولو بصمت، بقواعد الاشتباك التي وضعتها المقاومة. لكن الأمر بات أكثر إحراجاً وقساوة، عندما أعلنت المقاومة أن قواعد الاشتباك في ما يتعلق بها في لبنان تنسحب عليها في سوريا أيضاً. يعرف العدو أن لدى طائراته وأجهزته الاستخبارية القدرة على القيام بأعمال كثيرة في سوريا. لكنه ملزم بعدم المسّ بالبشر. وهو ينتظر لحظة تعلن فيها المقاومة أنه ممنوع المسّ بغير البشر أيضاً. وهذا ما يجعله يفكر في كيفية التملص من قاعدة يعرف أنها آتية لا محالة. لكن، ما العمل بعد «سيف القدس»؟

 

في حرب غزة الأخيرة كثير من الأحداث التي ستحتاج إلى وقت طويل للكشف عن كل تفاصيلها. لكن ما يهم العدو منها يشير إلى ما أكثر خطورة وحساسية مثل:

 

- إن قوى المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حماس، نجحت في اتخاذ قرار استراتيجي بشنّ حرب هجومية - دفاعية، رغم كل ما يحيط الوضع الفلسطيني من صعوبات، ورغم كل الخصوصية التي تحيط بعملها السياسي. وقد أظهرت الوقائع أن قدرات المقاومة في فلسطين تتيح لها الدخول في مواجهة كان يمكن أن تستمر أسابيع وليس أياماً فقط.

- إن قدرات المقاومة في فلسطين، على صعيد القوة الصاروخية، من شأنها التسبب بإزعاج غير مسبوق للكيان برمّته، حتى ولو كانت ذات فعالية محدودة بالمعنى التقني. لكنها قدرات تملك هامشاً من المناورة صدم العدو الذي لم يتمكّن من منع إطلاق الصواريخ رغم المواعيد المعلنة مسبقاً لإطلاقها.

- إن مستوى التنسيق بين المقاومة في فلسطين والمقاومة في لبنان (وما هو أبعد) أظهر تميّزاً ساعد على ضرب نظرية كوخافي العسكرية، وعطّل برنامجاً أمنياً عمل العدو عليه لسنوات طويلة. بل إن هذا التنسيق أتاح للمقاومة في لبنان القيام بمناورة حية للتعرف إلى آلية العمل خلال الحرب، وهو ما يدفع قادة العدو إلى التفكير بطريقة مختلفة إلى الجبهة الشمالية، ليس لمعالجة تهديدها الموضعي، بل لضرب قدرتها على مساعدة الجبهة الجنوبية بما هو خارج المتوقع.

- إن مستوى التفاعل بين القوى المعنية بمحور المقاومة على أكثر من ساحة، فتح الباب أمام خيارات باتت قابلة للتحقق وفق المعادلة التي أعلنها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، بتحذيره العدو من أن قوى المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق وسوريا واليمن باتت معنية بأي حرب واسعة مع العدو دفاعاً عن القدس. في هذا الإطار، يعرف العدو مستلزمات مواجهة مثل هذا التهديد. وتكفي الإشارة إلى أنه بات مضطراً للنظر بحذر شديد إلى ما يجري على بعد أكثر من 1500 كيلومتر من حدود كيانه، أي إلى اليمن، حيث بات بمقدور «أنصار الله» المشاركة العملانية في مواجهته وتوجيه ضربات مؤلمة له عن بعد آلاف الكيلومترات. وهو اضطر إلى إعادة تشغيل غرفة الاتجاه الجنوبي في جيشه، لمجرد التقاطه إشارات عن استعدادات عملانية لدى «أنصار الله» لتوجيه ضربات مباشرة إلى أهداف إسرائيلية في مناطق الجنوب، وقد تلامس مناطق الوسط أيضاً.

 

الكل يستعد

على أن كل ما سبق، لا يكفي لإقفال ملف الأسئلة الكبرى حيال الخطوة التالية. وهذا يفتح الباب أمام تحديات تواجه الجميع. إذ إن جمع أجزاء الأحجية المتصلة بكل ما يجري في دول المنطقة، بما فيها المعركة القاسية ضد لبنان، يقود إلى استنتاج واحد أوحد: ثمة حاجة إلى معركة فاصلة تعيد صياغة التصور العام للجغرافيا السياسية في المنطقة، وموقف الغرب وسلوكه حيالنا. ولأن إسرائيل مثّلت، على الدوام، حجر الرحى في البناء الغربي لمنظومة الحكم في غالبية دولنا، فإن ما ينتظرها يجب أن يكون «نقطة علام» لكل من يفكّر أو يخطط أو يعمل لبناء بلده...

التعليقات : 0

إضافة تعليق