مقاومة بيتا ومواصلة معركة "سيف القدس".. راغدة عسيران

مقاومة بيتا ومواصلة معركة
أقلام وآراء

بقلم: راغدة عسيران

منذ بداية أيار/مايو، يتصدى أهل قرية بيتا لجيش الاحتلال ومستوطنيه الذين قرروا العودة الى بؤرة استيطانية عسكرية على قمة جبل صبيح، كان جيش الاحتلال قد أخلاها عدة مرات، آخرها بعد انتفاضة الأقصى. حاول المستوطنون الاستيلاء على المكان في الأعوام 2013، 2016 و2018، لموقعه الاستراتيجي، حيث أنه يربط بين منطقتين مستهدفتين بالاستيطان في شمال الضفة الغربية. يتوسط جبل صبيح، الذي يقع جنوب قرية بيتا، قرى بيتا ويتما وقبلان، وتبلغ مساحته حوالي 840 دونما، تغطيها أشجار الزيتون.

 

قبل أكثر من عام، في شهر شباط/فبراير 2020، أفشل أهل قرية بيتا مخطط الاستيلاء على جبل العرمة الذي يقع في الجهة الشرقية من البلدة، بعد محاولة جيش العدو ومستوطنيه السيطرة عليه. فرابطوا فيه وشقوا طريق نحوه ورممّوا الموقع الأثري الموجود فيه. وخلال هذه المعركة، قدّم أهل بيتا شهيدين، محمد عبد الكريم حمايل وإسلام عبد الغني دويكات.

 

تعود مقاومة أهل بيتا للاستيطان الصهيوني الى عقود من الزمن. فهم يفتخرون بتصديهم لمحاولة الاستيطان في جبل صبيح في نيسان/ابريل 1988، عندما شنّ مستوطنو "ألون موريه" هجوما على الجبل لتوسيع مستوطنتهم. اندلعت مواجهات بين أهل بيتا والمستوطنين، استشهد خلالها مواطنان وقُتلت مستوطنة. وصرّح حينها السفاح أرئيل شارون أنه "يجب مسح بلدة بيتا وإقامة مستوطنه مكانها".

 

لكن بلدة بيتا صمدت، وتواجه اليوم بكل عنفوان جيش العدو ومستوطنيه. لقد استلهمت قبل أشهر من أساليب المقاومة الشعبية في مسيرات العودة في قطاع غزة وتبنّت الأدوات الخشنة التي استخدمها أهل القطاع: تقوم وحدة الكاوتشوك بإشعال الإطارات ("قررنا أن لا يتنفس المستوطنون هواء نقي من بلدتنا")، والإرباك الليلي عبر السماعات الكبيرة التي تبث الهتافات والتكبير طيلة اليوم، وأضاف اليها أهل البلدة أضواء الليزر الموجّهة نحو المستوطنين، لمنعهم من الاستقرار على الجبل. وتندلع الموجهات بعد صلاة الجمعة في محيط الجبل، كما هو الحال في سائر المناطق الفلسطينية المنتفضة ضد الاستيطان والجدار التوسعي.

 

لقد أفشل أهل بيتا تدفّق المستوطنين وتوسيع رقعة تواجدهم، بعد قرار العدو تجميد الاستيطان على جبل صبيح، واستبداله مرحليا بمدرسة توراتية يحميها جنوده. لكن لم ينخدع أهل بلدة بيتا بهذا القرار إذ صرّح عدد من أبنائها أنهم لن يسمحوا بإقامة أي مبنى صهيوني على الجبل، بالقول "إحنا كأهل بيتا بنعوّلش على محاكم ولا قانون، بنعوّل على دمنا وأجسادنا من أجل رحيلهم، وهسا استشهد خمسة، ولو صاروا 500 إحنا مكملين".

 

قدمت مقاومة أهل بيتا ضد التوغل الاستيطاني، خاصة بعد صعود اليمين الاستيطاني المتوحش وتوليه رئاسة الحكومة الصهيونية، نموذجا رائعا من المقاومة الشعبية في فلسطين المحتلة. لم يكتف أهل بيتا بالمسيرات "السلمية" التي تجوب الضفة الغربية منذ عقود، والتي يواجهها العدو بالنار والقنابل والقتل والاعتقال، بل بادروا الى التصعيد للتأكيد على حقهم بالأرض وبالمقاومة. فأصبحت قرية بيتا نموذجا حيا للمقاومة الشعبية في الضفة الغربية، لأنها ضمّت كل أبنائها وقرّرت أن تستعيد جبلها، مهما كلّف الأمر.

 

لقد أضافت أدوات نضالية الى صراعها مع المحتلين، وراكمت تجربة أهل قطاع غزة الى تجربتها الخاصة، ما يدلّ على حيويّة الشعب الفلسطيني، أينما وجد، الذي يراكم الخبرات النضالية ويخترع يوميا أدوات جديدة في خضم المعركة، وحسب حاجته. هذا التراكم النضالي والمتنقل من منطقة الى أخرى في فلسطين المحتلة، استمدّ مؤخرا حيويته من معركة سيف القدس، التي كسرت شوكة المحتل وفضحت هشاشته الفعلية.

 

لقد أصدرت المؤسسة الأمنية الصهيونية دراسة حول الغضب الشعبي في الأراضي المحتلة عام 1948 خلال هذه المعركة البطولية، والإجراءات القمعية التي اتُخذت ضد الفلسطينيين. فبيّنت أن الأجهزة الأمنية الصهيونية واجهت صعوبات كبيرة لقمع الانتفاضة الغاضبة التي اندلعت، بسبب شموليتها في المدن والبلدات الفلسطينية، من الشمال الى الجنوب، حيث احتاج الكيان الى استقدام قوات "حرس الحدود" الى أراضي 48، واستعان بالمستوطنين "السلميين" داخل مدن الداخل، كما واجه نقصا بالذخيرة. وخلصت الدراسة الى القول أن الكيان كاد يقع في مشكلة كبيرة لو استمرت الانتفاضة الغاضبة والشاملة لبضعة أيام، لعدم إمكانيته السيطرة على الأوضاع في الداخل. ما يعني أن تعميم وتطوير نموذج قرية بيتا في الضفة الغربية كمقاومة شعبية فاعلة قد يربك العدو، خاصة إذا تزامنت مع احتجاجات شعبية في الداخل والقدس.

 

إحدى ميّزات معركة "سيف القدس" أنها اعتبرت أن الاعتداء على الشيخ جراح والمسجد الأقصى (القدس) والمناطق الأخرى في فلسطين هو اعتداء على الشعب الفلسطيني ككل، يجب مواجهته والتصدي له، وأن أي معركة تخوضها المقاومة هي معركة تصدي للعدوان الصهيوني، تتطلب توحيد الجهود والقوات المقاتلة، وأي هجوم على الكيان هو أصلا معركة دفاعية، انطلاقا من وحدة الشعب والأرض والقضية.

 

لقد اقتصرت مقاومة أهل بيتا على الدفاع عن أراضيها ومحيطها، في جبل صبيح وجبل عرمة، حيث أنهم لا يملكون الصواريخ والأدوات القتالية كما هو الحال في قطاع غزة، لكنهم هاجموا المستوطنين وطردوهم ويواصلون مقاومتهم لتطهير منطقتهم من الوجود الصهيوني. فلم يكتفوا بالإعلان عن رفضهم للمستوطنة أو إقامة المسيرات الحاشدة الرافضة لوجود المستوطنة. استخدموا أدواتهم الخشنة وأربكوا المستوطنين وواجهوا جيش العدو وقدّموا الشهداء والجرحى والأسرى من أجل حرية فلسطين.

 

لم يركنوا على أصوات المجتمع الدولي وتصريحاته الفارغة، ولا على السلطة الفلسطينية التي غابت عن المشهد، ولم يقيموا "خيمة اعتصام" تكون محجة للمتضامين، إذ يجب على المتضامن المشاركة الفاعلة في مواجهة المستوطن وجيشه. فلذلك، انتهجت مقاومة قرية بيتا طريقا مقاوما شعبيا نموذجيا، لا تشتكي للمجتمع الدولي ولا تنتظر منه شيئا لأنها صمّمت أن تنتصر في معركة الحرية.

 

في مقال صدر قبل سنتين، روت الباحثة هنيدة غانم لقاءها مع ديبلوماسي أوروبي في رام الله. فنقلت أقواله: "إن الناس في بلده ملّوا من الشكوى الفلسطينية، ولا يريدون أن يسمعوا أكثر عن معاناتهم" وكانت وزيرة من بلده قد زارت أهالي حي سلوان المقدسي المهددين بالاقتلاع من منازلهم وحيّهم، وتابع: "بكل صراحة، لم تتعاطف الوزيرة مع العائلات.. هذا يكفي، نحن لا نريد مزيدا من قصص المعاناة والشكاوى".

 

 لا يريد المجتمع الدولي النظر الى العدوان الصهيوني المستمر ضد الشعب الفلسطيني وإنهائه، يريد فقط التدخل في "المسيرة السلمية" لمنع تحرير الأرض وإطالة العدوان بتحويله من وحشي ودموي الى عدوان "ناعم" و"ديمقراطي" يتقبله الشعب الفلسطيني.

 

هذه عيّنة للمجتمع الدولي الذي تشتكي اليه السلطة الفلسطينية من أجل الحصول على الحق الفلسطيني، والذي تنتظر منه الوقوف الى جانبها ضد العدو. لهذا السبب، لم ينظر أهل قرية بيتا الى المجتمع الدولي، فقرروا المواجهة حتى الانتصار.

التعليقات : 0

إضافة تعليق