الحلقة الثانية

في ذكرى مولد النور... الشيخ نافذ عزام

في ذكرى مولد النور... الشيخ نافذ عزام
دنيا ودين

الحلقة الثانية

الشيخ نافذ عزام

في ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وآله سلم، واجبنا أن نذكر بما كان عليه، وبالمواقف التي ركز عليها هديه.. قد نهتم بهيئة وطريقة مشيه ونومه وأكله وشربه.. قد نهتم بلباسه وكلامه.. وهذا مطلوب ومستحب في إطار سعينا للاقتداء بسيد الأنبياء، لكن ما هو مطلوب أكثر، الاهتمام بتوجيهاته ومسالكه وأخلاقه، فهي التي أقامت الدين، وشكلت النموذج السماوي، الذي غير وجه الأرض.. والمؤسف أن معظم أزمات الأمة اليوم بسبب ابتعادنا عن هذا النموذج وتخلفنا عن التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في الهدي والتوجيه والسلوك.

 

تحدثنا في الحلقة السابقة عن حسن الخلق كمرتكز للدين كله، وكواحد من أهم الجوانب التي ساهمت في التأسيس للنموذج الحضاري الذي صنعه الإسلام، ونستكمل اليوم الحديث عن المرتكزات الأساسية التي قام عليها هذا البناء العظيم، بل هي الأساس لحياة إنسانية أخلاقية ومتوازنة، وتأتي الرحمة كقيمة كبرى في هذا الدين، ليس لتحديد التعامل بين أفراده فقط ولكن لتكون طابعا للحياة الانسانية كلها كما قال الحق تبارك وتعالى: «وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين»، وكان من دعاء الملائكة وصلاتهم «ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم».

 

وتأكيدا لهذا المعنى جاء في الحديث القدسي «إن رحمتي تغلب غضبي» أي أن رحمة الله تسبق ردعه للبشر وسخطه عليهم.. وهذا يلزمنا بتقديم الرحمة في تعاملاتنا وعلاقاتنا وبرامجنا على الحدود والزواجر  وأساليب العقاب

 

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى نبيه بأن  الرحمة هي العامل الأهم في علاقته مع صحابته وإخوانه «فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك»، والعجيب أن هذا التذكير بالرحمة واللين والمودة مع الأنصار والاتباع والاصحاب جاء بعد هزيمة كبيرة حصلت بسبب إصرار الأصحاب والأتباع على رأيهم ووجهة نظرهم التي كانت تخالف رأي ووجهة نظر النبي.. رغم ذلك يأتي التأكيد على ضرورة الاستمرار في المودة واللين والتراحم.. ويشعر الإنسان بالأسى ونحن نرى ما يجري في العالم بشكل عام وفي الوطن العربي والاسلامي تحديدا.

 

هل الرحمة هي التي تحكم سلوكنا؟ هل اللين هو الذي يطبع سياسة الحكام والقادة والزعماء تجاه شعوبهم؟.. هل نتراحم كمسلمين أم أن القسوة هي التي تغلف علاقاتنا؟.

 

يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إن أبعد الناس عن الله تعالى القاسي القلب»، ويقول: «لن تؤمنوا حتى تراحموا، قالوا يا رسول الله، كلنا رحيم، قال: إن ليس برحمة أحدكم بصاحبه، ولكنها رحمة العامة» أي أن تسود الرحمة المجتمع، وأن تصبح إطارا عاما لحياة الامة، وحيث تصبح الرحمة بالناس طريقا لرحمة الله، أي أن الله لا يمكن أن يلطف بالناس، ويغير واقعهم إذا لم يرحموا بعضهم، إذا لم يترابطوا فيما بينهم وهذا ما يقوله النبي بوضوح: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله».

 

وفي رواية أخرى زاد قوله: «ومن لا يغفر لا يُغفر له»، وقال: «من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء»، وقال: «طوبى لمن تواضع في غير منقصة، وذل في نفسه من غير مسألة، وأنفق مالا جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذلة والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة».

ويستمر هذا الدفق المبارك تأكيداً لأهمية الرحمة حيث تتبدد كأنها الأساس للإسلام وللتوجه الصحيح نحو الله فيقول عليه الصلاة والسلام: «جعل الله الرحمة مائة جزء أنزل في الأرض جزءاً واحداً فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها  خشية أن تؤذيه أما نحن فنستخدم كل دهائنا وأموالنا ومواهبنا وأسلحتنا لسجن الناس وقمع المخالفين وفرض السيطرة وضمان الهيمنة هل نجد شيئاً من هذا التراحم في عالم اليوم. في علاقة المسلمين ببعضهم، في سياسة الدول والحكومات العربية والاسلامية.. ماذا تعني لنا هذه النصوص وغيرها كثير «إن الله تعالى خلق يوم خلق السموات والارض مائة رحمة، وكل رحمة طباق ما بين السماء والارض، فجعل منها في الارض رحمة واحدة، فيها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض».

 

كم يُخجلنا هذا الكلام.. الوحش يرحم الوحش، وفق سنة الخلق وقانون الفطرة، الطير يرحم الطير.. أما المسلم فيقسو على المسلم اليوم لمجرد خلاف بسيط.. أما الدولة فتكاد تفتك بشعبها.. أين الرحمة فيما ترى رغم كل ذلك السيل من التوجيهات والتحذيرات، ورغم وضوح النبي صلى الله عليه وسلم وحزمه «لا تُنزع الرحمة إلا من شقي»، «الراحمون يرحمهم الله تعالى، ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء، الرحم  شجنة من الرحمن، من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله».

 

إن الرحمة لا يمكن أن تكون مجرد كلمة تلوكها ألسنتنا ، فيما يكذب واقعنا ما تلوكه ألسنتنا ، عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رجلاً شكا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من قسوة قلبه فقال : «امسح رأس اليتيم ، واطعم المسكين « وفي رواية أن رجلاً جاره يشكو قسوة قلبه فقال له: «أتحب أن تلين قلبك وتدرك حاجتك؟ رحم اليتيم وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك يلن قلبك،وتدرك حاجتك».

 

الطريق إلى لين القلب وتفريج الكربات وقضاء الحاجات هو الرحمة.. عن ابن مسعود البدري قال: «كنت أضرب غلاماً لي بسوط  فسمعت صوتاً من خلفي: اعلم أبا مسعود فلم أفهم الصوت من الغضب فلما دنا مني إذا هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فإذا هو يقول : «اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام فقلت: يا رسول الله هو حر لوجه  الله تعالى، فقال: أما لو لم تفعل للفحتك النار».

 

بمنطق الإسلام وبمنطق رسول الإسلام كانت النار ستلفح صحابياً كبيراً لمجرد أنه ضرب خادمه عدة أسواط.. فماذا عنا نحن اليوم؟! ماذا عن الذين يموتون ظلماً ويُقتلون عدواناً، ويجوعون ويظمأون بسببنا وبسبب سياستنا «من ضرب سوطاً ظلماً اقتص منه يوم القيامة» حديث آخر.

كان هو وكل ما سبق من توجيهات ونصوص يدفع عمر (رضي الله عنه) للصراخ على صحابي يسحب شاة برجلها ليذبحها قائلاً: «ويلك قدها إلى الموت موتاً جميلاً» .. أين هذا مما يجري حولنا.. الرحمة مفقودة ومن الطبيعي أن تغيب معها رحمة الله فمتى نستعيدها؟.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق