هل شكلت عملية الأسرى إشارة إلى تحول سياسي قادم؟

هل شكلت عملية الأسرى إشارة إلى تحول سياسي قادم؟
أقلام وآراء

بقلم: د. معين الرفاعي

 

بعد الفشل الكبير للمنظومة العسكرية الصهيونية في معركة (سيف القدس) خلال شهر أيار الماضي، جاء دور المنظومة الأمنية لتنال نصيبها من الفشل المدوي. عملية الهروب التي نفذها ستة من الأسرى الأبطال (خمسة منهم من الجهاد الإسلامي، والسادس من فتح)، وضعوا الكيان الصهيوني في مأزق أمني حقيقي، ستكون له تداعياته السياسية الأكيدة.

 

في العمليات الأمنية المعقدة، لا شك أن الهروب من سجن شديد الحراسة بأحدث الوسائل التكنولوجية هو عملية أمنية معقدة، فإن الهدف يتحقق بمجرد نجاح العملية، بغض النظر عما يحدث بعدها، أو النتائج المترتبة عليها. وعليه، فإنّ العملية اكتملت في اللحظة التي تمكن فيها الأسرى من الابتعاد عن أسوار السجن. بل إن التأخر في إعادة أسر أربعة من المحررين لأيام عدة، وعدم التمكن من القبض على الاثنين الباقين بعد أكثر أسبوع من الفرار، دليل إضافي على فشل المنظومة الأمنية والاستخباراتية في عقرها .  إعادة أسر معظم أبطال العملية، أو جميعهم، لا يقلل من قيمة الإنجاز الحقيقي شيئاً: إرادتنا وعزيمتنا وذكاؤنا تغلب على أفضل ما لديكم.

 

لا شك أنّ عملية بهذا المستوى من الذكاء والتخطيط والصبر ستكون موضع دراسة أجهزة الأمن، وكثير من الذين يفكرون للهروب من السجون، في أكثر من دولة، لسنوات طويلة قادمة. وقد يبقى الكثير من أسرارها مخفياً لفترة طويلة من الزمن. غير أنه من المهم أيضاً تسليط الضوء على الأداء الميداني في شقه السياسي لعملية الهروب، الذي لا يقل شأناً عن الشق التقني والأمني.

 

من نافلة القول إنّ عملية (انتزاع الحرية)، كما أسمتها حركة الجهاد التي ينتمي إليها خمسة من الأحرار الستة، قد أعادت تسليط الضوء بقوة على قضية الأسرى المنسيين في سجون العدو، وبات يقتصر ذكرهم عند الحديث عن عملية تبادل. النجاح الباهر الذي حققته عملية الهروب من (الخزنة الأشد حراسة في العالم)، وهو الصفة التي يتباهى بها الكيان لسجن جلبوع، نقل القضية إلى الإعلام العالمي. وبغض النظر عن التغطية الإعلامية الغربية المجحفة، وأنه لم يتعاط معها إلا من منطلق أنها شأن يتعلق بأمن الكيان بالدرجة الأولى، إلا أن العملية فرضت نفسها على وسائل الإعلام الغربية، حاملة معها قضية الأسرى الفلسطينيين. أضف إلى ذلك ان العملية حصلت في وقت تحتدم فيه المفاوضات بين المقاومة في غزة والحكومة الصهيونية على عملية تبادل اسرى جديدة، ما منح الجانب الفلسطيني ورقة ضغط قوية لتصليب موقفه ورفع سقف شروطه، مستفيداً من اللطمة التي تلقتها المؤسسة الأمنية الصهيونية.

 

من جهة ثانية، استقطبت العملية احتضاناً شعبياً فلسطينياً قلّ نظيره، استطاع أن يوحد بين شعبنا في المناطق المحتلة في العام 1948، وأهلنا في الضفة الغربية، حول هدف واحد: حماية الأسرى وتأمين كل ما يلزم لدعمهم. على جانبي الخط الأخضر، كان كل فلسطيني يعدّ نفسه لاستقبال هؤلاء الأبطال أو اللقاء بهم، حسبما تطيقه ظروف كل منهم بطبيعة الحال. في الضفة الغربية، استعدت مدينة جنين، مسقط رأس المحررين جميعهم، لاحتضان هؤلاء الأبطال لحظة تمكنهم من الوصول إليها. استنفرت الفصائل والقوى والعشائر جميعها لخوض معركة الحماية أياً يكن الثمن الذي تدركه جنين جيداً. وفي الداخل الفلسطيني المحتل، نثر العديد من الأهالي الطعام في الحقول وبين الوديان لعله يكون من نصيب أسير جائع مطارد. وخلال 24 ساعة فقط، تلقت الشرطة الصهيوني 250 اتصالاً للتبليغ عن مشاهدة الأسرى، في عملية تمويه واستنزاف وتضليل متعمد يمارسها شعب بأكمله. أحيت العملية سيرة المقاومة الأولى، أيام الاحتلال الإنكليزي، ومعارك الشهيد عز الدين القسام وإخوانه. في تثبيت لحظة الانهيار الأمني الصهيوني، التحمت الذاكرة الفلسطينية بالأرض، محطمة جدار الخط الأخضر الوهمي الممتد على مدى أكثر من سبعين عاماً حاول العدو خلالها تمزيق وحدة الشعب والأرض، فجاءت العملية لتجعله سراباً.

 

ومرة جديدة، لعب التوقيت لعبته: حدثت العملية على أعتاب الذكرى 28 للتوقيع على اتفاقية أوسلو ؛ فكانت صفعة في وجه كل الذين راهنوا أو عملوا على تمزيق فلسطين أرضاً وشعباً. لم يكن بمقدور أجهزة الأمن الصهيونية، ولا أجهزة الأمني التابعة للسلطة الفلسطينية، تجاهل هذا الاحتضان الشعبي الكبير للأسرى. وأصبح إلقاء القبض على الأسرى كالكرة الملتهبة التي يتقاذفها الطرفان بينهما. وهنا تحديداً تكمن عبقرية مخطط الهروب. ليس معروفاً لدينا بالضبط الدافع الذي جعل الأسرى الأبطال يختارون التوجه صوب الناصرة، في الشمال الفلسطيني المحتل، عوضاً عن التوجه إلى الضفة. قد تتنوع الأسباب ما بين لوجستية وغيرها. غير أنه كان بلا شك قراراً موفقاً. حقق البقاء في الأراضي المحتلة في العام 1948، جملة من الأهداف أهمها أنه أبقى مسؤولية حياة هؤلاء الأسرى في عهدة الجانب الصهيوني وحده، فهو المسؤول، دون أدنى شبهة، عن حياتهم. يدرك كل أسير فلسطيني يتمكن من الهروب من السجون الصهيونية أنه سيلاحق ؛ وأن مسألة القبض عليه هي مسألة وقت لا أكثر. وأقصى أمانيه، في هذه الحالة، أن يستطيع كسب أكبر قدر ممكن من تنشق عبق الحريه . يتعمق المأزق الأمني الصهيوني أكثر مع مرور كل ساعة يتمكن فيها الأسير من البقاء طليقاً. ويتحول المأزق إلى طامة طالما أنّ أجهزة الأمن الصهيونية لا تستطيع إلقاء اللوم على غيرها.

 

من الطبيعي الافتراض أن الأسرى كانوا يدركون حجم التشديد الأمني الصهيوني في المنطقة الفاصلة بين الداخل المحتل والضفة الغربية للحيلولة دون الوصول إليها؛ ومن الطبيعي الافتراض أنهم كانوا يدركون حجم ما ستتعرض له أجهزة السلطة من ضغوط للمشاركة في ملاحقتهم، وربما لتحمل المسؤولية كاملة عن الجانب الصهيوني، في إلقاء القبض عليهم، بغطاء التنسيق الأمني. ومن البديهي أيضاً الافتراض ان الأسرى الأبطال كانوا يدركون أن نجاحهم في الوصول إلى جنين يعني ملحمة جديدة. لذلك كله، يمكن الافتراض أن قرارهم بالتوجه إلى الداخل الفلسطيني، والاختفاء فيه، لم يكن عن إكراه ولا عجز؛ فمن تمكن من الهروب من سجن جلبوع، لن يقف أمامه حائل دون اختراق حواجز الضفة، بل جزء من المواجهة المفتوحة، وإبقاء كرة النار في الملعب الصهيوني وحده، في رسالة تحدي وتأكيد أن فلسطين كلها، على جانبي الخط الأخضر، هي ساحة مواجهة ضد المحتل، ولا فرق في ذلك بين جنين والناصرة.

 

بهذا المنحى، نجحت عملية (انتزاع الحرية) في شقها السياسي، والدليل على ذلك الحرص الصهيوني على عدم المساس بحياة أي أسير. أدركت المؤسسة الأمنية الصهيونية أن تصفية أي أسير سيشعل جانبي الخط الأخضر ضد الاحتلال، فكانت حريصة على بث الصور التي تثبت أن الأسرى بخير وتم إلقاء القبض عليهم بصحة جيدة. كان لتهديد المقاومة في غزة فعله بلا شك، ولكن كان لحسن التخطيط والتدبير فعله أيضاً.

 

امام هذا الفشل المريع للمنظومة الأمنية الصهيونية، والآثار السياسية لعملية الهروب، معطوفاً على فشل عسكري في حرب أيار الفائت، بات العدو الصهيوني مكشوفاً بطريقة غير مسبوقة. سقوط حكومة بينيت بات أمراً وارداً في أية لحظة بعد إلقاء القبض على الأسيرين الباقيين، لا سمح الله، ولا سيما بعد انطلاق ألسنة المعارضة من عقالها. للانهيار الشامل مقدمات، وما يحصل في الكيان يكاد يستكمل كل المقدمات. وعليه، يمكن الافتراض أحد سيناريوهين: إما حماقة صهيونية في محاولة لاستعادة ماء من هيبة ولت إلى غير رجعة، عبر عملية أمنية أو فتح معركة جديدة، وإما مبادرة تفرضها الإدارة الأمريكية على الكيان قبل غيره في محاولة لإنقاذه أو منحه مزيداً من الوقت الإضافي. المعضلة الصهيونية أن الكيان لم يعد يملك ترف رفض المبادرات الأمريكية لإنقاذه من حماقاته وعجزه المتواصل. فهل بات علينا الاستعداد لتحول قادم؟

التعليقات : 0

إضافة تعليق