الأسيران  "نفيعات" و"كممجي".. تضحية بالنفس وإيثار للآخرين

الأسيران  
سياسي

غزة/ دعاء الحطاب:

بينما كان الليل يرخي سدوله، والسماء تتلبد بالطائرات "الإسرائيلية"، تسلل المئات من  جنود الاحتلال تتقدمهم قوات خاصة صهيونية "وحدة اليمام" المُختصة بتصفية المُطاردين الفلسطينيين، للحي الشرقي لمدينة جنين، وحاصرت المنزل الذي تحصن فيه الأسيران» مناضل نفيعات وأيهم كممجي» من كل جانب، مُطالبة من فيه بتسلم أنفسهم وإلا ستعمل على نسف المنزل.

 

لحظات عصيبة عاشها الأسيران، خلال محاصرتهما بمئات الجنود المدججين بالسلاح وعشرات الاليات العسكرية، فأمامهما خياران لا ثالث لهما، إما المقاومة ورفض الاستسلام وبالتالي تعريض حياة أصحاب المنزل الذي احتضنهما، أو الاستسلام في سبيل حماية أرواحهم.

 

فلم يمض الوقت طويلاً، حتى خرج الأسيران من المنزل، ليضحّيا بحريتهما التي انتزعاها انتزاعاً من بين أنياب السجّان، حفاظاً على حياة تلك الأسرة المناضلة التي خاطرت من أجل ايوائهما، وعادا لسجن أشد وأقسى مما خرجا منه، بمعنويات أعلى وإرادة أقوى، بعد أن سطرا أروع ملاحم البطولة.

 

ويذكر أنه بعد أسبوعين من مطاردة أسرى عملية «انتزاع الحرية» التي استنزفت قوات الأمن الإسرائيلية، وكلفها ما بين 3-6ملايين دولار يومياً، اعتقلت قوات الاحتلال فجر الأحد الماضي الأسيرين أيهم كممجي ومناضل انفيعات في منزل بمدينة جنين، لينضما لرفاقهم الذين أعيد اعتقالهم على دفعات.

 

فخر وعزة

 

بعد أيام من الفرح الممزوج بالتوتر والخوف، تخللها الكثير من الأمنيات والدعوات، صُعق ذوو الأسيرين «أيهم ومناضل» بنبأ اعتقال نجليهما، ففرحتهم بـ»انتزاع الحرية» لم تدم طويلاً، فسرعان ما عادا الى زنازين الموت الإسرائيلية التي دفنت زهرة شبابهما وسلبتهما أبسط أمنياتهما.

 

وبالرغم من الألم والخوف العميق الذي استوطن قلوب ذوي الأسرى السته أبطال عملية» انتزاع الحرية» على مصير أبنائهم لما يتعرضون له من بطش وانتقام عقب إعادة اعتقالهم، إلا أن مشاعر الفخر والعزة لا يُمكن وصفها، فما سطره أبناؤهم من بطولات ستظل علامة فارقة في تاريخ المقاومة الفلسطينية والصراع مع الاحتلال.

 

«انتزاع الأسرى الستة حريتهم بأنفسهم وبدون مساعدة أحد، وتخفى «مناضل وأيهم» 13يوم عن أعين مخابرات الاحتلال وجيشه، كان عزة وفخراً كبيراً لنا ولكل انسان فلسطيني وعربي مناصر للقضية»، هكذا بدأ نضال انفعيات شقيق الأسير «مناضل»، حديثه لـ»الاستقلال».  

 

وأضاف بصوت يعتريه الألم:» منذ اللحظة الاولى للإعلان عن انتزاع ستة اسرى حريتهم من سجن جلبوع، سيطرت علينا مشاعر الفخر الممزوجة بالقلق والخوف على مصيرهم وحياتهم، فلم يكن لدينا سوى احتمالين الشهادة أو اعادة اعتقالهم».

 

سته عشر عاماً لم يجتمع «مناضل» مع أشقائه الأربعة تحت سقف منزلهم المتواضع بمخيم جنين، بفعل الاعتقالات المُتكررة والمتفرقة لجميعهم داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، وفق قوله.

 

وتابع بحسرة:» 13يوماً لم يغمض لنا جفن، ونحن نترقب وننتظر أي خبر من «مناضل»، لدرجة أننا رسمنا في مخيلتنا مشهد استقباله عند وصوله الينا، كنا نتمنى احتضانه والاجتماع معه حتى للحظات قليلة»، مشيراً الى أن «مناضل» لم يتمكن طول فترة تحرره من التحدث معهم او الالتقاء بهم.   

 

ويحلم «مناضل» الآن أسوة بزملائه الخمسة في أقبية التحقيق، بغفوة سريعة أو شربة ماء، بعد ساعات طويلة من التعذيب النفسي والجسدي، الذي أفصح عنه المحامون وكشفته الهالات السوداء حول أعينهم المحمرّة.

 

وطالب «انفيعات» منظمات حقوق الانسان والصليب الأحمر بالوقوف أمام مسؤولياتهم اتجاه الاسرى، والضغط على الاحتلال لوقف التحقيق القاسي الذي يتعرض اليه الاسرى الستة منذ إعادة اعتقالهم.

 

الاتصال الأول والأخير

 

عند الساعة الثالثة فجراً تقريباً، تفاجأ «فؤاد كممجي» برنين هاتفه «رقم مجهول»، فلم يتمالك نفسه حينها لكنه تشجع وفتح الاتصال، ليسمع صوت فلذة كبده:» يابا أنا أيهم، الجيش محاصر المنزل المتواجد فيه، وبدي أسلم نفسي حرصاً على سلامة الجميع»، صمت قليلاً وأجابه بغصة» الله معك ويحميك يا ابني».

 

وقال كممجي والد الأسير أيهم، خلال حديثه لـ»الاستقلال»:» عند الساعة الـ 2:45 فجرًا ، وردني اتصال من رقم غريب، وكان المتصل أيهم يخبرني أنه محاصر وسيسلّم نفسه حتى لا يتعرض أحد من أهل البيت الذي استضافه للأذى أو المضايقة على يد جنود الاحتلال».

 

في تلك اللحظة، كان «أيهم» بالحارة الشرقية في جنين أي يبعد نحو 4 كيلومترات فقط عن منزله وأهله، وأمضى هناك 11 يومًا قبل أن يعاد اعتقاله، فجر يوم الأحد الماضي.

 

ويتابع كممجي بغصة تعترض صوته، إنه شعر بالصدمة لقرب ابنه منه وعدم قدرته على رؤيته أو احتضانه، فضلًا عن مرارة إعادة اعتقاله، مستدركاً «كنت أتوقع أنه ذهب بعيدًا ونال حريته، لكنها كانت المفاجأة الكبيرة أنه متواجد معنا في جنين».

 

وأضاف:» كنت أتمنى أن يحصل ابني على حريته بطريقة مشروعة، لكن جرى ما قدّره الله، وفرحت حين علمت أنه استنشق نسيم الحرية وشاف وطنه وأكل من ثماره، ووددت لو ظل حرًا خارج المعتقل، وفي الوقت نفسه كنت قلقًا مما تحمله الأيام المقبلة».

 

ونوّه والد «أيهم» إلى أن نجله كان يتمتع بمعنوياتٍ عالية، وثقة كبيرة بالنفس عندما أُعيد اعتقاله، محملًا الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياته «أيهم».

 

وأضاف «ابني أيهم، وأصدقاؤه الخمسة أبطال عملية «انتزاع الحرية» سلطوا الضوء على معاناة الأسير الفلسطيني، أعادوا قضية الأسرى إلى الواجهة وللعالم أجمع بعدما كانت طي النسيان، ذكروا العالم بأناس أفنوا زهرة شبابهم، وأمضوا عشرات السنين داخل السجن دون مجيب».

 

وفيما يتعلق بتأكيد المقاومة الفلسطينية، على  إعادة تحرير أيهم ورفاقه في أقرب صفقة تبادل للأسرى، قال فؤاد كممجي» الفرج من عند الله أولًا ثم المقاومة، وقد أعادت إلينا الفرحة والأمل في تحرير أبنائنا، وأرجو أن أرى ابني حرًا قبل موتي، وللمقاومة كل التقدير».

 

وفي نهاية حدثيه، تقدم والد الأسير بالشكر لكل من ساعد ابنه ورفاقه خلال حريتهم قصيرة الأمد خارج السجن، وعبر عن امتنانه للبيت الذي استضافه، مؤكدًا أن الاحتلال لن يقضي على المقاومة الفلسطينية أو يضع لها حدًا.

 

محاولة اغتيال

 

ونجا الأسير أيهم ورفيق دربه مناضل انفيعات من محاولتي اغتيال في 48 ساعة خلال فترة المطاردة منذ تحررهما من سجن «جلبوع» قبل حوالي أسبوعين.

 

وقال محامي هيئة الأسرى، منذر أبو أحمد، الذي زار الأسير قبل عرضه على محكمة الاحتلال، إن أيهم ألحق بالاحتلال فشلًا أمنيًا، ونجا مع مناضل مرتين من الاغتيال خلال 48 ساعة، الأولى حينما أطلق الاحتلال عليهما النار في منطقة العفولة في اليوم الثاني من خروجهما من النفق.

 

وأوضح «رمى كممجي مقتنياته وبينها الحقيبة والراديو وأختبأ بين العشب، حيث كان أحد الجنود يمر من جانبه ولم ينتبه إليه، بينما كان أيهم يحدق في جندي آخر يفتش في حقيبته على مقربه منه، وأكمل بعدها المسير».

 

وأشار إلى أن محاولة الاغتيال الثانية «تمت حين اقترب من منطقة التماس بمحيط فتحة للجدار قرب معسكر سالم القريب من مدينة جنين، «ورغم ذلك تمكنا من دخول جنين».

 

وأضاف أيهم كممجي نجح في الوصول إلى جنين في اليوم الثالث لخروجه من النفق، والتقى مجددًا مع مناضل انفيعات بعد ستة أيام من تاريخ انتزاع الحرية».

 

«الجنة في جنين»

 

وتابع أيهم «رجعت إلى جنين نظرت إلى السماء وكلمت النجوم، وقلت فعلًا عدت إلى الجنة»، بهذه الكلمات وصف أيهم كممجي فرحة دخول أرض جنين بعد انتزاع الحرية من سجون الاحتلال.

 

ونوه المحامي «أبو أحمد» إلى أن «ما لم يحققه أيهم قبل إعادة اعتقاله هو زيارة قبر والدته التي توفيت في عام 2018».

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق