"انتزاع الحرية".. تداعيات متلاحقة تعصف بمنظومة أمن الاحتلال ومحاولات بائسة لترميم الهزيمة

سياسي

غزة/ قاسم الأغا:

ما زالت تداعيات عملية "انتزاع الحرية" من سجن "جلبوع" الاحتلاليّ الأكثر تشديدًا وتحصينًا، في مدينة بيسان، شمال فلسطين المحتلة، تعصف بالكيان وتربك منظومته الأمنية التي وجّه لها ستة أسرى فلسطينيين صفعة قوية، بعد تمكنهم من تحرير أنفسهم عبر نفق حفروه بأدوات بدائية، ووصول اثنَين منهم إلى مخيم جنين، شمالي الضفة الفلسطينية المحتلة، قبل أن يُعاد اعتقالهم على دفعات بعد أيام من المطاردة.

 

وفي محاولة لترميم صورة الهزيمة، وتفادي أيّة إخفاقات أمنية مماثلة؛ كشفت وسائل إعلام عبرية عن أن سلطات الاحتلال وإدارة سجونها قرّرت إجراء ما وصفتها بـ "تحسينات وتعديلات"، في سجن "جلبوع"، بتكلفة تصل إلى37 مليون شيقل.

 

ويهدف القرار، وفق القناة 12 العبرية؛ لمنع الأسرى الفلسطينيين من حفر أنفاق جديدة، والهروب عبرها، كما نجح الأسرى الستة من انتزاع حريتهم قبل نحو ثلاثة أسابيع.

 

وبالتركيز على طبيعة التحسينات والتعديلات، أضافت القناة أنه "سيجري ضخّ باطون في الفراغات الموجودة أسفل غرف سجن جلبوع، باستخدام طريقة طوّرها الجيش للتعامل مع أنفاق المقاومة، بعد أن أجرت فرقه الهندسية عمليات فحص بهدف العثور على ثغرات أخرى بالسجن، في أعقاب هروب الأسرى الستة".

 

كما سيجري تركيب منظومات تكنولوجية متطوّرة؛ لرصد أي محاولات هروب إضافية، وبناء جدار إضافي حول السجن ذاته، بحسب القناة ذاتها، التي أقرّت بإمكانية خرق تلك الإجراءات بوسائل وخروقات جديدة، قد يبتدعها الأسرى.

 

يأتي ذلك، في وقتٍ كشف فيه موقع "والّلَا" العبري عن أن إدارة سجون الاحتلال تبحث في إقالة المسؤول عن سجن "جلبوع" "جوندر فريدي بن شطريت"؛ بعد نجاح أسرى فلسطينيين من تجاوز إجراءاته وتحصيناته والهروب منه، قبل أن يُعاد اعتقالهم فيما بعد.

 

وقال الموقع الجمعة، "بالرغم من وجود عقبات قانونية تعيق حتى الآن عملية عزل بن شطريت، الذي جرى تعيينه العام الماضي؛ إلّا أن هنالك بحث وتحرك على المستوى القانوني في قيادة لجنة إدارة السجون ضدّه".

 

في الأثناء، أعلن وزير ما يُسمّى "الأمن الداخلي" في حكومة الاحتلال "عومر بارليف"، عن تشكيل لجنة تحقيق رسمية لفحص كيفية فرار الأسرى الستة من "جلبوع"، يرأسها قاضٍ متقاعد هو الجنرال احتياط "مناحم فنكلشتاين".

 

ووفق "بارليف"، فإن اللجنة ستبحث في ملابسات تمكن أسرى "جلبوع" من حفر النفق إلى خارج السجن على مدار أشهر، دون معرفة إدارة السجن، خصوصاً على وقع رفض مديرة إدارة السجون "ماتي بيري" الاستقالة من منصبها، ورفضها تحمّل المسؤولية وإلقائها على ضباط وقادة السجن.

 

وفي 6 سبتمبر (أيلول) الجاري، تمكّن 6 أسرى فلسطينيين، من انتزاع حريتهم من سجن "جلبوع" عبر نفق ممتد حفروه من غرفة زنزانتهم، قبل أن يعيد الاحتلال اعتقال آخر أسيرين منهم، بعد مطاردة امتدت لنحو أسبوعين.

 

وهؤلاء الأسرى المعاد اعتقالهم، الذين لُقّبوا بـ "أبطال كتيبة جنين"، هم القادة: محمود عارضة (46 عامًا)، أمير أسرى حركة الجهاد الإسلامي في "جلبوع"، والمحكوم مدى الحياة، ومحمد عارضة (39 عامًا)، محكوم مدى الحياة، ويعقوب قادري (49 عامًا)، محكوم مدى الحياة، وأيهم كممجي (35 عامًا)، محكوم مدى الحياة، ومناضل انفيعات (26 عامًا)، معتقل منذ عام 2019، وخمستهم ينتمون لحركة الجهاد الإسلامي، فيما زكريا زبيدي (46 عاماً) معتقل منذ عام 2019، ينتمي لحركة "فتح"، وجميعهم من جنين.

ترميم الهَزيمة

 

الكاتب والمحلل السياسي خليل القصّاص، رأى أن كل تلك الإجراءات التي يعتزم الاحتلال وإدارة سجونه اتخاذها في سجن جلبوع، وتشكيل لجان للتحقيق بعملية نفق الحريّة، قد تفضي نتائجها إلى إقالة وعزل مديرة الإدارة، والمسؤول عن السجن، تأتي في سياق ترميم صورة الهزيمة في هذه العملية البطوليّة.

 

وقال القصّاص في مقابلة مع صحيفة "الاستقلال" الجُمعة، تلك الإجراءات ولجان التحقيق وغيرها هي محاولة لترميم صورة الهزيمة، في أعقاب الصفعة الأمنية التي تلقّتها منظومة أمنه وإدارة سجونه، على أيدي الأسرى الستة الأبطال.

 

وأشار إلى أنه مهما اتّخذ الاحتلال وإدارة سجونه من خطوات وإجراءات تحصين وتشديد للسجون باستخدام أحدث الوسائل؛ فإنها ستتقهقر أمام إرادة وعزيمة أسرانا الصلبة، الذين يثبتون مرّة تلو الأخرى أنهم أصحاب الانتصار، في معركة الإرادات والعقول.   

 

وأضاف الكاتب والمحلل السياسي "كل تحصينات العدوّ للسجون وخارجها باءت وستبوء بالفشل"، موضحًا أن "جدار الفصل بين الضفة وأراضينا المحتلتين منذ 1948، والجدار الأمني مع قطاع غزة، وعملية قنص شاب فلسطيني لجندي صهيوني شرقيّ غزة مؤخّرًا؛ دليل على ذلك".

 

تداعيات قائمة

 

من جانبه، المحلّل السياسي المختص بالشأن "الإسرائيلي" أنس أبو عرقوب، قال إن الزلزال الأمني، الذي أحدثته عملية "نفق الحرية"، على أيدي أسرى "جلبوع" الستة، ما زالت تداعياته تضرب المنظومة والأجهزة الأمنية للاحتلال وتطوراتها التكنولوجية والتقنية، التي لطالما تغنّى بها أمام العالم؛ بيد أن الإرادة الفلسطينية تجاوزت كل ذلك.

 

وأوضح أبو عرقوب في مقابلة مع صحيفة "الاستقلال" الجُمعة، أن التداعيات الأبرز ستتكّشف عقب نتائج لجنة التحقيق فيما جرى في سجن "جلبوع"، إذ سيتم عزل مسؤولين بإدارة السجن، وإعادة المراجعة والتدقيق والتقييم الأمني بمحيط السجون كافة، والتي ستكلف الاحتلال ملايين الشواقل في استنزاف مالي، يعكس أحد تداعيات عملية النفق أيضًا.  

 

ولفت إلى أن هنالك تداعيات أخرى تتمثل في إبراز قضية الأسرى إلى الواجهة مجدّدًا، إذ تعد القضية الأساس، لدى الشارع الفلسطيني في المرحلة الراهنة، خصوصًا في ضوء التسريبات التي تتحدث عن قرب البدء في مفاوضات حقيقية لإتمام صفقة تبادل أسرى جديدة، بين المقاومة في قطاع غزة، وحكومة الاحتلال.

 

وفي هذا الصدد، نوّه إلى أن قضية صفقة التبادل تلقى اهتمامًا لدى وسائل إعلام عبريّة ومسؤولين من مستويات متعددة"، منبّهًا في الوقت ذاته إلى أن "نفتالي بينيت" وخلال فترة ولايته للحكومة، قد يواجه صعوبة في تمرير صفقة من العيار الثقيل، بالشكل الذي كانت عليه، أو يفوق عيار صفقة التبادل الأخيرة.

 

واستدرك المحلل السياسي: "لكن مع مرور الوقت؛ تزداد قضية التبادل إلحاحًا، وأمام ذلك ستجد حكومة الاحتلال نفسها مضطرّة للتوصل إلى صفقة أسرى، على وقع انعدام أملها في إيجاد طريقة بديلة لذلك".

 

وفي سبتمبر 2016، عرضت كتائب القسام، الجناح العسكري لـ"حماس" صورًا لأربعة إسرائيليين (بينهم جنديين)، وهم: "شاؤول آرون"، و"هادار جولدن"، و"أباراهام منغستو"، و"هشام بدوي السيد"، رافضة الكشف عن أي تفاصيل تتعلق بهم دون ثمن.

 

وتشترط الحركة الإفراج عن محرّري "صفقة وفاء الأحرار التي أُبرمت برعاية مصرية ألمانية عام 2011، قبل الدخول في أيّة مفاوضات لإجراء صفقة تبادل أسرى جديدة.

 

وأعاد الاحتلال اعتقال نحو (55) مُحررًا من الصفقة، التي أُفرجت بموجبها عن (1027) أسيرًا فلسطينيًا، مقابل إفراج "حماس" عن الجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليط"، الذي أسرته لـمدة (5) أعوام في قطاع غزة.

 

ويبلغ إجمالي عدد الأسرى في سجون الاحتلال حوالي (4650) أسيراً، بينهم (41) أسيرة، و (180) طفلًا وقاصرًا، و (700) مريض يعانون أمراضًا بينها "مزمنة وخطيرة"، و (400) معتقل إداريّ (دون تهمة)، في حين بلغ عدد الأسرى الشهداء داخل السجون (226) شهيداً، منذ النكسة سنة 1967.

 

 

 

 

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق