وثيقة "حماس" وبرنامج "الجهاد" المُكلف بقلم: هيثم أبو الغزلان

وثيقة
أقلام وآراء

 

تحاول حركة "حماس" عبر "وثيقة المبادئ والسياسة العامة" التي أعلن عنها خالد مشعل في قطر، المواءمة بين الأيديولوجيا والممارسة السياسية لتفادي الضغوط الخارجية والداخلية، من جهة، وتحقيق نوع من الشراكة السياسية في "النظام السياسي الفلسطيني" المتهالك، والذي يبدو من المستبعد تحقيقها حاليًا. ولهذا كان "الفصل" بين ميثاقها الصادر في 1988، ووثيقة 2017، التي يرى البعض أنها تؤسس لـ "بديل سياسي وتاريخي"، لكن "لا تنسج سرديات فكرية وثقافية قادرة على الاستنبات في التمثل الوطني الفلسطيني والعربي ككلّ".

وإذا كان برنامج النقاط العشر لمنظمة التحرير الفلسطينية في 1974 قد نصّ على "إعلان الدولة الفلسطينية فوق أي شبر من أرض فلسطين التاريخية"، ومهّد لفكرة الاجتزاء الجغرافي وضرب الثنائية الرمزية والميثاقية بين الأرض والدولة، فإن وثيقة حماس كما يرى البعض، "ستكون مقدّمة حقيقية لإقرارها بمبدأ اقتسام الأرض وبحلّ الدولتين".

 

وفي وقت حاولت الوثيقة إظهار موافقة "حماس" على دولة على حدود 1967، أنه جاء نتيجة توافق وطني، رفضت "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين"، الأمر، وقال نائب أمينها العام زياد النخالة إن: "الجهاد الإسلامي ترفض القبول بدولة في حدود 67"، وأن ما ورد في البند 20 من وصف لها بأنها "صيغة توافقية وطنية مشتركة غير موفقة ولا تُعبّر عن الواقع". و"لا يوجد توافق فلسطيني" حول ذلك، مشيرًا إلى أن "الجهاد الإسلامي" تتفق مع "حماس" على "الموقف من الثوابت وعدم الاعتراف بإسرائيل والمقاومة". وأكد النخالة أنه "طالما أن هناك فلسطينياً واحداً يرفض حل الدولتين، أو حصر حدود الدولة الفلسطينية في حدود 67، فهذا ليس برنامج التوافق أو الإجماع الوطني".

 

وترى "حماس" أن وثيقتها تعبّر عن لغتها المتطورة، وبهذا فهي تبحث عن دور "تمثيلي ما"، سيما أن الحملة على الاخوان المسلمين عاتية، جعلت الحركة تحاول التكيّف مع واقع صعب عبر فضّ مرجعية الاخوان وحصر دور الحركة في "التحرر الوطني".

 

ويعتبر النخالة أنه "من حيث الموقف السياسي، نعم، الوثيقة فيها تطور وتقدم، لكن على الطريق المسدود، طريق البحث عن حلول وأنصاف حلول للقضية الفلسطينية تحت مظلة ما يسمى الشرعية الدولية". ويضيف أن "ما قالته حماس خلال أكثر من عشر سنوات مفرقاً، قالته الآن جملة وموثقاً. وقد سبق لحماس أن وقّعت على "وثيقة الأسرى"، التي تكيّفت مع برنامج منظمة التحرير، وابتعدت عن ميثاق حماس".

 

وللوثيقة مقتضيات وشروط، فحماس ترفض "أوسلو" ولكنها تنخرط في مؤسساته وانتخاباته، تؤيد المقاومة المسلحة وتمارسها ولا تمارسها، تدعو إلى تحرير كامل فلسطين، وتقبل بالدولة على حدود 1967 بوصفها برنامجاً مرحليا. وفي الوقت الذي تؤكد فيه الالتزام بالمقاومة، فإن الوثيقة المعلنة تتقاطع مع سياسات انتهجتها منظمة التحرير ولاحقًا السلطة قبل سنوات طويلة، مستندة إلى الميثاق الوطني لمنظمة التحرير وبرامج فصائلية أخرى، وبناء على ذلك يرى البعض أن ذلك من المحتمل أن يجعل حماس تُعيد إنتاج التجربة ذاتها للمنظمة وربما بشكل سلبي، وربما تشكل هذه الممارسة عاملًا إضافيًا في تكريس الواقع القائم والثنائيات المتصارعة.

 

 والبعض يرى أن الخشية ليس من الخطاب البراغماتي لحماس، وإنما من الضغوط الكبيرة الممارسة عليها لجعلها تعترف بـ"إسرائيل" وتنخرط في مفاوضات معها، رغم الخطاب المتطور لـ "حماس"، الذي يحاكي الواقع الاقليمي والدولي بلغة سياسية واقعية براغماتية، صيغت بحذر شديد كمن يمسك العصا من النصف.

 

في العموم، إن ثمة مبالغة في القول إن الوثيقة تحتوي جديداً، لأنها استندت بالفعل إلى قديم الفكر السياسي الفلسطيني، في الميثاق الوطني للمنظمة وفي برامج الفصائل، الذي تقادم وتآكل. أما التحذيرات التي تُطلق فهي نتيجة خشية من حصول تحوّل في مشروع "حماس"، رغم أنها تُقدّم "التحرير" على "الدولة" كما جاء في وثيقتها الجديدة، وهذا نفسه ما كانت تردده سابقًا حركة "فتح" قبل أن تفارقه، عبر تقديم "الدولة" على "التحرير".

 

ومن المعروف أن حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، التي لا تزال تعطي إضافة نوعية لمسار التحركات السياسية الفلسطينية، طرح أمينها العام الدكتور رمضان عبد الله شلح في العام المنصرم مبادرة "النقاط العشر" لتجاوز "المأزق الفلسطيني الراهن"، عبر بـ "إلغاء اتفاق أوسلو"، وسحب الاعتراف بـ"إسرائيل"، والإعلان أن المرحلة ما زالت مرحلة تحرر وطني، وأن الأولوية هي لمقاومة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة بما فيها المقاومة المسلحة، و"صياغة برنامج وطني لتعزيز صمود وثبات الشعب الفلسطيني على أرضه".. وأن "تشمل كل مكونات الشعب الفلسطيني".. وهكذا بين وثيقة "الحد الأدنى" المجرّبة، وبرنامج "الحد الأعلى" المُكلف، يبقى النزف الفلسطيني مستمرًا.. ولكن إلى متى؟!

 

 

 

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق