دونالد ترامب والاستفزازات المثمرة... مصطفى محمد أبو السعود

دونالد ترامب والاستفزازات المثمرة... مصطفى محمد أبو السعود
أقلام وآراء

مصطفى محمد أبو السعود

يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمارس في حلبة السياسة ما كان يمارسه في حلبة المصارعة من استعراض للعضلات أمام الخصم والصراخ في وجهه قبل بدء المباراة من باب ترهيبه وتخويفه.

 

ترامب ما قبل الفوز بكرسي البيت الأبيض تعهد بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده  إليها ، بل كان شعار (الاعتراف ونقل السفارة) أبرز شعارات الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي ترامب ، وأظن أنه كان من أقوى أسباب فوزه بالرئاسة.

 

لكن وبعودة سريعة لشعارات الحملات الانتخابية لرؤساء أمريكا، نجد أن ترامب لم يكن صاحب السبق في ابتكار الشعار أو الفكرة ، بل سبقه مرشحون كثر لرئاسة أمريكا وعدوا بنقل السفارة الأمريكية للقدس، اعترافًا بها كعاصمة لإسرائيل، لكن بعد الفوز اتضح لهم أن النظر للمسألة الواحدة يختلف باختلاف زاوية النظر، فنظرة الرئيس تختلف عن نظرة المرشح للرئاسة،  ففضلوا التراجع عن الوفاء بوعودهم، خشية المسّ بعلاقات ومصالح الولايات المتحدة مع  شعوب دول المنطقة العربية والإسلامية، وبذريعة أنه لا يجب الإسراع بتنفيذ فكرة النقل ما لم يتم الاتفاق بشأنها.

لكن ترامب بعد فوزه هدد بتنفيذ وعده ثم أجله ثم عاد ليهدد، وهنا يطرح سؤال،  لماذا يهدد ثم يتراجع فيؤجل؟  هل يخشى من الحكام العرب أم من الجمهور العربي المسلم؟ .

 

الواقع يقول إن حالة الفرقة التي تعيشها المنطقة العربية تنفي إمكانية خوف ترامب من الأنظمة العربية التي تسعي للتقارب مع «إسرائيل» مقابل رضا أمريكا، بل تشجع ترامب على المضي قدماً تجاه تنفيذ وعده سرا وتعريضاً، وما تصريح محمد بن سلمان الرجل القوي في السعودية بأنه لا مانع من اعتبار أبو ديس عاصمة لفلسطين إلا أحد أوجه انسجام النظام العربي الرسمي مع الفكرة ، وهو تصريح يرمي بذور الانسجام على التربة العربية الشعبية ، لكن الأمر لا يتعلق بالأنظمة فقط ، فالمسلم والعربي الذي أعيته رحلة البحث عن ابسط مقومات الحياة لن يقبل بذلك لما للقدس من مكانة عظيمة في قلبه.

إن تهديدات ترامب يمكن النظر لها من فرضيتين:

 

1_ لو سلمنا جدلا بأن التهديد بنقل السفارة يحمل في طياته رغبة أكبر في استفزاز وإجبار الأنظمة العربية من اجل تقديم خدمات أكبر لأمريكا وإسرائيل خاصة السلطة الفلسطينية ، وحشدها تجاه صراع مع إيران، فإن الأنظمة العربية لن تتوان عن ذلك رغبة منها في حفظ ما تبقى من ماء وجهها، فيكون هنا قد نجح في استفزازهم .

 

2_ ولو افترضنا جدلاً أن التهديد هذه المرة جدياً، ماذا بوسع العرب من أصحاب الجلالة والفخامة والسمو ان يفعلوا بعدما تنازلوا وبكامل إرادتهم عن أوراق القوة ؟ وهذا نجاح ناتج عن جهد أمريكي تراكمي في إفراغ يد العرب من أي ورقة قوة

 

وهنا أطرح سؤالاً هل حكام العرب بالفعل منزعجون من تلك المسألة أم ان انفعالاتهم وغضبهم هو غضبٌ مصطنعٌ ؟ الإجابة ،لأن من يتابع تصريحاتهم  يجدها هلامية وناعمة و مألوفة ، وكأن لسان حالهم يقول ( للبيت رب يحميه).

 

إن الاعتراض العربي الحقيقي على فكرة ترامب يتمثل  في سحب السفراء والأموال والاستثمارات العربية من أمريكا، وطرد السفراء والخبراء الأمريكيين، وإغلاق القواعد العسكرية والشركات الأمريكية ووقف صفقات السلاح ،واعتماد عملة بديلة عن الدولار في المعاملات التجارية، أما أن يقتصر الموقف على  الشجب والاستنكار والتنديد، وأن هذا الفعل مخالف للقانون الدولي ومن شأنه أن يدمر عملية السلام، فهذا لن يغير من حقيقة الأمر شيئاً

التعليقات : 0

إضافة تعليق