ماذا يعني نقل السفارة الأمريكية للقدس؟!.. ثابت العمور

ماذا يعني نقل السفارة الأمريكية للقدس؟!.. ثابت العمور
أقلام وآراء

ثابت العمور

(.. إن مشروع إسرائيل الكاملة أو «إسرائيل الكبرى» ليس سوى مشروع أمريكي طالما أن أمريكا هي التي تمده بكل عناصر قوته وكل احتياجاته..)، كان هذا النص جزءاً من دراسة كتبها الشهيد الدكتور الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي فتحي الشقاقي رحمه الله، وفيها يجيب الشقاقي عن سؤال كنت أريد إجابته في هذا المقال وهو لماذا تُلوح واشنطن بنقل السفارة الأمريكية للقدس والاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، لماذا لا يعلن الكيان الصهيوني القدس عاصمة له؟، لماذا تتصدر الولايات المتحدة للمشهد وتعفي الكيان من الأمر؟، والأهم لماذا نقل السفارة  للقدس والاعتراف بها عاصمة للكيان الصهيوني؟. ما الذي حدث فلسطينيا وعربيا وإقليميا حتى يقرر ترامب هذا الأمر وفي هذا التوقيت ترى هل في الأمر صفقة أم ضمانات بمعنى ماذا أعطى ترامب للعرب وبماذا وعدهم ووعدوه؟، وما هي الرهانات والخيارات الممكنة والمتاحة لمنع الأمر وهل نستطيع منعه ؟.

 

لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية هي أول دولة تعترف بالكيان الصهيوني عندما أعلن عن قيامه، ولم تكن هي أول من سمح لليهود بالهجرة لفلسطين ولم تكن هي صاحبة الوعد بإعطاء وطن لليهود في فلسطين، لماذا تكمل الدور الآن؟، لماذا تُلوح كل عام وعند كل انتخابات بأنها ستنقل سفارتها للقدس وتعلن القدس عاصمة للكيان، قطعا ليست السبب ضمان أصوات اليهود إطلاقا، ولا نتيجة ضغط اللوبي اليهودي بتاتا، الأسباب اكبر وأعمق من ذلك، بالمناسبة توجد قنصلية أمريكية في القدس وهي اكبر من اكبر سفارة موجودة بالقدس ما يعني أن الأمر لا يتعلق بالمبنى أو الوجود بقدر ما يقصد به الدلالة والرمزية، ثانيا هناك سفارات إسلامية موجودة في القدس كالسفارة التركية مثلا وهي في شارع نابلس بالشيخ جراح، ثالثا قرار نقل السفارة الأمريكية للقدس صدر العام 1995 بمقتضى قرار اتخذه الكونجرس، وترامب أعلن أثناء حملته الانتخابية انه سينفذ القرار وينقل السفارة وبالتالي الأمر ليس جديد ولا وليد اللحظة نحن فقط الذين نترك النار مشتعلة حتى تصل لأقدامنا، ليس في الأمر مفاجأة ترامب كشف المستور فقط لوح بانتهاء إحداثيات الصفقة نحن أيضا كفلسطينيين بتنا وحدنا علينا أن نتقدم صوب القدس خطوة فلا معنى لكل هذه الهياكل مالم تتحرك الآن باتجاه القدس.

 

لا أريد التعرض هنا للجانب القانوني للقدس أو الجانب السياسي للأمر وتبعاته، هذا تناول تجاوزه الواقع والوقائع فنقل السفارة الأمريكية للقدس والاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني لا تحكمه اللوائح القانونية إطلاقا ولا القانون الدولي الإنساني ولا كل المواثيق التي فُصلت للضعفاء ولحكمهم وتنظيم العلاقة فيما بينهم، الأقوياء يعربدون كما يفعل ترامب الآن، ولكن ماذا يعني نقل السفارة الأمريكية للقدس؟، إن نقل السفارة الأمريكية للقدس يعني الشروع في إكمال ما تبقى من حلقات الحلم الصهيوني، نقل السفارة الأمريكية للقدس يعني أننا تلاشينا كعرب وكمسلمين وكإنسانيين، يعني أن واشنطن ترامب لم تعد ترانا ندا بل لم تعد ترى أن هناك داعي لمراعاة مشاعرنا وقناعاتنا وإرادتنا، نقل السفارة يعني من بين عدة معانٍ أننا ننبطح أمام العربدة الأمريكية للحد الذي جعل العربيد ترامب يتصل بالرئيس الفلسطيني ويخبره عن نيته وذات الأمر فعله مع ملك الأردن وغيره من الرؤساء العرب، هذا اللص يستأذن بسرقة القدس من ولاتها وحُماتها هذه سقطة غير مسبوقة في تاريخ التردي الإسلامي ولا استبعد أن يتصل ترامب مرة أخرى لتُجمع له بواقي الإتاوات والجزية المستحقة نظير الحماية الأمريكية وحمايتها للعروش العربية وكراسيها.

 

لا يمكن الاستدارة للعرب وتحميلهم وزر ما آلت إليه أحوال العربدة الأمريكية قبل استدعاء الكينونة الفلسطينية التي تلاشت هي الأخرى من المشهد لم يكن ممكنا ولا متاحا ولا مسموحا لواشنطن أن تُقدم على ذلك لو كانت الكينونة الفلسطينية حقيقية موجودة وفاعلة وحاضرة، لكننا عندما استغرقنا في الانقسام عشر سنوات وفشلنا في اجتراح مصالحة واستغرقنا في تفاصيل الشياطين حتى لم نعد نعرف من نحن وماذا نريد هل نحن مجرد جيش من الموظفين يسعى لاعتماد راتبه، أم نحن هيكل وهمي من المؤسسات والوزارات التي أنتجها وهم أوسلو وكل واحدة تبحث عن التمكين، عندما تشاورنا وتناقشنا في شرعية سلاح المقاومة وعندما قبلنا بالتنسيق الأمني وعندما قبلنا بالتهدئة والهدنة ووقف إطلاق النار وانخدعنا باستراحة محارب عندما خضعت حساباتنا كمقاومة كفدائيين كمرابطين في ارض الرباط لحسبة الربح والخسارة لربح جدوى الحرب واللاحرب تجرأت واشنطن على نقل السفارة للقدس.

 

هذا الزمان وهذا المكان وهذا الواقع لم يعد مُجديا معه التزويق والتهذيب والنفاق والرياء والكلمة أمانة والقلم سيف، واشنطن لم تنقل سفارتها للقدس ولم تعترف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني ، ولكننا نحن الذين أضعنا القدس واضعنا الأقصى واضعنا معالمنا وملامحنا واستبدلنا المدنس بالمقدس والذي هو أدنى بالذي هو خير وضعنا وسط هذا كله، وأضعنا الإنسان واضعنا العقيدة واضعنا الحق ،عندما أصبح القاتل يٌكبر والمقتول يُكبر عندما بات السواد هو اللون الوحيد والشكل الوحيد لكل العواصم العربية، عندما استقوى العربي على العربي بواشنطن، ثم استدار للاستقواء بالكيان الصهيوني عندما بات ذراع الكيان الصهيوني يصل لكل العواصم العربية ويغتال ويصول ويجول، عندما حُرمت مكة على المسلمين والمجاهدين والفلسطينيين وبان «بن تسيون» الصهيوني يزورها وتفتح له أبوابها ويلتقط فيها الصور ويلبس الزي التقليدي العربي ضاعت القدس.

 

عندما أُغلقت كل العواصم العربية في وجهة الفلسطيني فكل دول الخليج لا تعترف بالجواز الفلسطيني ويُمنع من دخولها ومنذ عدة أعوام لم يحظ أهل غزة بالعمرة أبدا والحج متعثر والسبب عربي بحت، ووسط ذلك كله تلهث عواصم العربان وراء سراب التطبيع وكلها تستقوي بتل أبيب وكلها تسمح لنخبها وكتابها وإعلامييها بزيارة الكيان بكل أريحية واذكر أشقاء عرب اُعتقلوا لأنهم فقط زاروا غزة أو ربما زار احدهم عاصمة عربية معادية لعاصمة عربية أخرى هكذا هو الأمر ببساطة وللتبسيط أكثر فان الإسرائيلي تفتح له الحدود والبوابات ويدخل ويخرج كيفما شاء وقتما شاء بينما يموت الفلسطيني في انتظار المرور ونريدها هبة من اجل القدس لا يمكن للأمر أن يكون وهذا حال العرب .

 

 واشنطن لم تتجرأ على ما تنوي فعله إلا بعدما ردد وغرد الخليج العربي بان الرياض أهم من القدس،  ولكن القدس ليست مدينة أو قطعة ارض أو حتى عاصمة للدولة الفلسطينية، القدس ليست عروس عروبتكم كما يقول مظفر، القدس لا شرقية ولا غربية، القدس آية من كتاب الله، القدس علاقة الأرض بالسماء، القدس أول المطاف لا نهايته وأول الحكايات وأول الصعود وأول الإسراء وأول العروج القدس أم البدايات وأم النهايات، بدايات بناء مشروع إسلامي ثوري وطني فلسطيني أممي متكامل وقادر قد يتأخر لكنه قادم ولا بديل عنه ، وأم النهايات نهاية العلو الصهيوني ونهاية الحلم الأمريكي وهذا ليس أمنية ولا حلم ولكنه ركن أصيل من عقيدتنا.فزوال الكيان الصهيوني حتمية.   

 

لم يقرر ترامب نقل السفارة الأمريكية للقدس إلا بعدما عقد قمة عربية إسلامية في الرياض واتهم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، وبدل من مراجعته عربيا تمت مكافأته بالمليارات وتقدم عليه العرب خطوة بجامعتهم ووصفوا هم أيضا حزب الله بالإرهاب، ماذا فعلنا أكثر من التنديد والشجب والوعيد والتهديد، إذا لم نستطع منع ترامب من نقل السفارة لنرفع التكلفة إذن. إن واجب الفلسطيني مختلف عن واجب أي عربي أو واجب أي مسلم الواجب هنا واجبان وتقصير الأمة لا يعفينا من واجبنا.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق