الحلقة الخامسة

في ذكرى مولد النور .. الشيخ : نافذ عزام

في ذكرى مولد النور .. الشيخ : نافذ عزام
أقلام وآراء

الحلقة الخامسة

الشيخ : نافذ عزام

لقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم أشد الحرص على أمته بل على الناس جميعا، سعى إلى هداية الخلق, ودل الناس على طرق الخير ، وكما وصفه الحق تبارك وتعالى « لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم» ولذلك كان يوجه الناس لتعزيز الخير في حياتهم حرصا عليهم ورأفة بهم، فأراد من الإنسان أن يدرك أن كل شيء يفعله سيعود عليه إيجاباً في الدنيا والآخرة, يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه عنه أبو ذر رضي الله عنه قلت يا رسول الله إي الأعمال أفضل ؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله, قلت أي الرقاب أفضل؟ قال:  أنفسها عند أهلها ، وأكثرها ثمناً ، قلت فإن لم أفعل ؟ قال : «تعين ضانعاً أو تصنع لأخرق» قلت يا رسول الله أرأيت ان ضعفت عن بعض العمل, قال «تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك».

 

هنا يفتح النبي أفاقا واسعة أمام الإنسان مهما كانت ظروفه وإمكانياته, حتى لو لم يمتلك المال والسطوة, فعليه ألا يقف موقفا سلبيا, يتفرج على ما يجري- عليه ان يعين غيره, أو يساعده, وحتى ان لم يستطع القيام بهكذا عمل فلا اقل من أن يكف أذاه عن الآخرين, وهو أدنى مراتب الفاعلية, وكف الأذى هنا يصبح نوعا من العبادة والصدقة والخير, وكأن النبي عليه الصلاة والسلام يريد ان يقول ان فرصة الخير قائمة أمام الإنسان مهما قلت إمكانياته, ومهما ضعفت حظوظه – في حديث على كل سلامي من أحدكم صدقة, فكل تسبيحة صدقة, وكل تحميدة صدقة, وكل تهليلة صدقة, وكل تكبيرة صدقة, وأمر بالمعروف صدقة, ونهي عن المنكر صدقة, وان يجزيء بعد ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» والسلام هنا هو المفصل حيث يحث النبي صلى الله عليه وسلم على تأكيد التقرب إلى الله صدقة عن كل عضو من أعضاء الإنسان, بحيث يصبح كل ما ينطق به الإنسان صدقة وزكاة عن هذه الأعضاء ليحفظها الله, وليكون الفرد موصولا بربه طوال الوقت مسكونا بإحساس المدين الذي يجب ان يسدد دينه- هي هكذا بالضبط- هناك دين لله على كل عضو من أعضاء الإنسان, وسداد الدين بسيط وغير مكلف- التسبيح والحمد والتكبير والتهليل وكل معروف وكل رفض لمنكر يدخل في إطار تسديد الدين, أي في تكريس روح العبادة وتعزيز صورة الإنسان العابد الايجابي - يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي يرويه أبو ذر أيضاً : « عرضت على أعمال أمتي حسنها وسيئها, فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط من الطريق, ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن» إلحاح من النبي صلى الله عليه وسلم على الايجابية في الحياة, وعلى ضرورة تضامن الناس لتكريس هذه الايجابية, التي تفيد المجتمع كله, وهنا يحث المسلمين بإزاحة أي شيء يؤذي الناس,  ويشوش على حياتهم, بل يعتبر هذا الأمر من أهم أعمال الأمة التي عرضت عليه .. والمؤسف ان واقعنا اليوم يخالف تماما هذا النهج النبوي, بل ويناقض جوهر الإسلام, وجوهر رسالة النبي عليه الصلاة والسلام من «إماطة الأذى» ركن أساسي في مسيرة النبي وسنته وسلوكه, ولا يمكن ان يتحقق معنى الدين بدونه, والغريب ان المسلمين اليوم يجتهدون في زرع الأذى في طريق بعضهم .. ويتبنون برامج وسياسات تفاقم من معاناة إخوانهم وتزيد الضغط عليهم, فكيف يأتي الخير, وكيف تخرج الأمة من أزماتها, وكيف يظهر الدين على كل ما عداه, ونحن نجهل عمدا توجهات رسولنا الكريم, بل ونفعل عكس ما تريده- يقول عليه الصلاة والسلام في إطار الحاجة على التخفيف عن الناس ورفع الظلم والعنت عنهم» : «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة, فأفضلها قول لا اله إلا الله, وأدناها إماطة الأذى عن الطريق, والحياء شعبة من الإيمان» مرة أخرى يذكرنا النبي صلى الله عليه وسلم, بشروط وملامح الإيمان التي يعد إسناد الناس وتخفيف معاناتهم وإزاحة المنغصات عن حياتهم, اقل ما يمكن ان يفعله الإنسان تحقيقا لصفة الإيمان, , إماطة الأذى تشمل كل شيء يضر الناس ويزيد الصعوبة عليهم, إماطة الأذى تعني تخفيف الضرائب عنهم, وتوفير الكهرباء والمياه والعلاج والتعليم لهم, تعني اجتهاد الحكومات والدول والجماعات لتوفير لقمة العيش الكريمة للناس, وعدم التضييق عليهم أو مصادرة حرياتهم, أو منعهم من التعبير.

 

ويزيد النبي عليه الصلاة والسلام الأمر وضوحا عندما يقول في الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه « لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين» يا الله يدخل الإنسان الجنة إذا قطع غصنا من شجرة لأن هذا الغصن كان يؤذي المارة – فماذا عنا نحن اليوم الذين نضع العقبات في طريق الناس، نحن الذين نقصف الناس، ونجيع الناس، ونتسبب في الكوارث للناس، ماذا نقول أمام الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر، فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقى، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له»، قالوا يا رسول الله: أن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: «في كل كبد رطبة أجر».

 

سقاية كلب عطشان تُدخل إنسانا الجنة، فماذا نقول عن الأمة اليوم وهي ترى من يموت عطشا وجوعا ومرضا وقصفا وحصارا وسجناً.. ماذا نقول لرسول الله عندما يذكرنا بكلامه هذا وبالمبدأ الإنساني العظيم: «في كل كبد رطبة أجر»، كيف نُجيب يوم تتعطل أدوات القهر والتضليل والنفاق.. كيف وبم نجيب؟!    

التعليقات : 0

إضافة تعليق