حركة الجهاد الإسلامي ومفهوم العمل السياسي.. راغدة عسيران

حركة الجهاد الإسلامي ومفهوم العمل السياسي..  راغدة عسيران
أقلام وآراء

بقلم: راغدة عسيران

اعتبرت الدراسات الأجنبية الصادرة عن حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، أن الحركة غير معنية بالعمل السياسي وأنها تصبّ كل جهودها على العمل العسكري ضد الكيان الصهيوني. شارك هذا الاعتقاد كتّاب ومحللّون عرب، في العقود الماضية، لا سيما بعد اتفاقيات أوسلو وانتفاضة الأقصى، التي شهدت صعود جناحها العسكري، "سرايا القدس".

 

ما هو مفهوم العمل السياسي بشكل عام؟ كيف تنظر الحركات الفلسطينية الى العمل السياسي؟ وما هو مفهوم العمل السياسي لدى حركة الجهاد الإسلامي، التي تنص وثيقتها السياسية الصادرة عام 2018، على أن المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني "هي مرحلة الكفاح الوطني من أجل تحرير الأرض واسترداد الحقوق"؟ وكيف كانت حركات التحرر الوطني في العالم تمارس العمل السياسي؟

 

بشكل عام، يعتبر المفكّرون أن العمل السياسي يهدف الى المشاركة في السلطة السياسية في الدولة أو الاستيلاء عليها، عن طريق الانتخابات أو التفاهمات بين الجهات المعنية، والى صنع كتل شعبية وأحزاب تمارس الضغط من أجل تغيير الواقع السياسي، وذلك بناء على فكر سياسي وبرامج تسعى لتطبيقها. يتضمن غالبا البرنامج السياسي النظرة الخاصة للحزب أو الكتلة إزاء الأمور التي تخص الدولة والمجتمع، أي الاقتصاد والدفاع والأمن والثقافة والتعليم والعلاقات مع الدول الأخرى، وغيرها.

 

بالنسبة لفلسطين، أي الوطن المحتل الذي غزته الحركة الصهيونية وحوّلته الى مستوطنة يهودية كبيرة، بمساعدة القوى الطاغية العالمية، بعد أن تمّكنت من طرد شعبها واقتراف أبشع المجازر بحقه وبسط سيطرتها الأمنية عليه، يختلف الوضع السياسي فيه. يختلف أولا عن سائر الدول العربية التي نالت استقلالها، او ما شابه، وثانيا، عن سائر دول العالم التي تتمتع بسيادة كاملة أو منقوصة على أراضيها المحدّدة جغرافيا، وذلك بسبب الاحتلال الاستيطاني الصهيوني الإحلالي لأرض فلسطين، من النهر الى البحر.

 

لقد كانت تهدف بداية العمل السياسي الفلسطيني، كما يراه المؤرخون الفلسطينيون، الى منع السيطرة الصهيونية على البلاد ومواجهة الاحتلال والتواطؤ البريطاني، وإنشاء كتل شعبية تواجه الاحتلال البريطاني والاستيطان الصهيوني بالثورات والعمليات المسلحة، أو بالمفاوضات مع البريطانيين والعمل في العواصم العربية والمنابر الدولية. وبعد ضياع فلسطين، ركّز الشعب الفلسطيني عمله السياسي على إنشاء منظمة تمثله في اللجوء والأرض المحتلة، وقامت المنظمات الفلسطينية المقاتلة بتحشيد الفلسطينيين وتعبئتهم فكريا وسياسيا وتسليحهم بهدف تحرير الأرض من المحتلين الصهاينة، كل واحدة وفقا لفكرها السياسي، أي أن العمل السياسي كان منصبّا على هدف التحرير.

 

تراجع العمل السياسي الفلسطيني بهدف التحرير بعد طرح مسألة تسوية الصراع مع العدو الصهيوني بطريقة سلمية وإقامة كيان فلسطيني الى جانب الكيان الصهيوني. فأنتجت هذه المسألة خلافات وصراعات داخلية بين وجهات النظر المتعددة. ثم انقلب المشهد السياسي الفلسطيني تماما مع اتفاقيات أوسلو، حين رضيت القيادة الرسمية الفلسطينية بالتفاوض مع المحتل وإنشاء سلطة على أجزاء من فلسطين، وأشهرت اعترافها بالكيان الصهيوني وشرعنة وجوده على 78% من الأرض الفلسطينية المحتلة. وقد افقت بعض القوى المقاتلة سابقا أو السياسية غير المقاتلة، على الدخول في وهم السلطة "الوطنية"، وشاركت في ما تسميه الحياة السياسية الفلسطينية داخل هذه السلطة، حيث أصبح الصراع ضد العدو هامشيا نوعا ما، كرد فعل على إعاقته لإقامة "الدولة الفلسطينية"، من خلال مواصلة الاستيطان وانتهاكه للاتفاقيات الموقعة، وليس لأنه احتل فلسطين وأقام كيانه بعد طرد شعبها.

 

وفي الأراضي المحتلة عام 1948، حيث تشكلت الأحزاب والحركات الفلسطينية السياسية، انخرط بعضها، ومنها منذ اتفاقيات أوسلو، بالمؤسسات الصهيونية، متوهمين بإمكانية تغيير وضع الفلسطينيين من خلالها، في حين استمر آخرون في عملية التثقيف والتحشيد داخل المجتمع الفلسطيني، وفقا لبرامجهم الخاصة.

 

 لقد أعلنت حركة الجهاد الإسلامي، منذ انطلاقتها، أنها كحركة مقاومة وطنية، مرجعها الإسلام، تهدف الى تحرير فلسطين، عن طريق الجهاد. فركزت جهودها، حتى قبل الإعلان الرسمي عن نشأتها، على محاربة العدو وتوسيع نشاطها سياسيا وتنظيميا وجماهيريا، من خلال نشراتها الإعلامية والدراسات الفكرية، والندوات والتجمعات الشعبية، في المساجد والجامعات خاصة، وفي المناسبات الدينية والوطنية. ما يعني أن نشاطها السياسي كان يهدف الى توسيع قاعدتها من أجل العمل الجهادي ضد العدو، كما كانت تقوم به المنظمات الفدائية الفلسطينية قبل طرح مشاريع التسوية التصفوية على الساحة.

 

رفضت حركة الجهاد الإسلامي الاعتراف باتفاقيات أوسلو، وقام الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي بجهود كبيرة من أجل تكوين جبهة فلسطينية معارضة لها، غير أن الصراعات الداخلية السياسية والفكرية بين التنظيمات المختلفة، حالت دون تكوين كتلة معارضة جدّية ضد التفريط بالأرض الفلسطينية وهدف تحريرها. وكانت الحركة، قبل ذلك، قد مدّت علاقاتها العربية والإسلامية من أجل تكريس الفكرة الاساسية التي اعتمدتها، التي تنص على أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للأمة العربية وللحركة الإسلامية، والتي تعدّ من أخطر الأفكار على وجود الكيان الصهيوني والنظام العالمي المساند له، إذا ما تبنّتها فعليا الحركات السياسية العربية والإسلامية، وعملت وفقها في بلدانها.

 

تقول الوثيقة السياسية لحركة الجهاد الإسلامي أنه "في مرحلة الكفاح الوطني من أجل التحرير، لا يجوز التحول عن نهج الجهاد والمقاومة الى نهج المساومة على الأرض والحقوق، ولا يجوز خلق أولويات بديلة، كالصراع أو التنافس الانتخابي على السلطة والتمثيل تحت حراب الاحتلال"، وفي مرحلة التحرير الوطني، وأن "أي تناقض أو نزاع داخل الصف الفلسطيني يعالج وفقا لصلته بالتناقض الرئيس مع العدو"، وتضيف، أن "أية مشاريع أو برامج سياسية، تقوم على تجزئة الشعب الفلسطيني أو استبعاد أي جزء منه أو المساس بمقومات شخصيته وهويته الوطنية، تعد فاقدة للشرعية، ولا تمثل الشعب الفلسطيني ولا تعبر عن إرادته".

 

تحدّد هذه الفقرات بعض أسس العمل السياسي لدى الحركة: عدم المساومة على الأرض والحقوق (اتفاقيات أوسلو)، عدم خلق أولويات بديلة (السلطة ومؤسساتها) عن الكفاح الوطني ضد العدو، عدم المشاركة في مؤسساتها (منظمة التحرير الحالية التي تستبعد جزءا من الشعب الفلسطيني) ولا في "الزفة الوطنية"، حين يتواجد 800 ألف مستوطن مسلح بين الفلسطينيين و600 حاجز عسكري صهيوني يفصل مدن وقرى الضفة الغربية المحتلة، وعدم المشاركة في "تضليل الشعب الفلسطيني والعالم بأن تصور لهم أن لدينا دولة ونعيش أجواء ديمقراطية" (القائد زياد النخالة)، بل العمل من أجل توحيد الشعب الفلسطيني وقواه السياسية حول المقاومة ومن أجل المقاومة.

 

هذا ما أكّده د. أنور أبو طه، العضو في المكتب السياسي في الحركة، قائلا إن "الحركة لم تمارس السياسة إلا باعتبارها عملاً في خدمة العمل الجهادي المقاوم". لقد ركّزت الحركة على التثقيف والتحشيد من أجل استمرارية فكرة ونهج الصراع، ومواصلة المعركة ضد العدو، في الوطن وفي اللجوء، ومن أجل اعتبار أن التحرير مهمة جميع الفلسطينيين والعرب والمسلمين. تدلّ الحوارات والكلمات والبيانات على مواكبة الاوضاع في فلسطين والمنطقة والعالم، كما تفعل الأحزاب السياسية عامة، لترتيب خطط المواجهة مع العدو.

 

منذ البداية، سعت الحركة الى توحيد كافة الجهود الشعبية والأطر المؤسساتية الفلسطينية حول هدف التحرير، وقد تمت آخر هذه المحاولات في وثيقة النقاط العشر التي قدّمها الأمين العام السابق لحركة الجهاد الإسلامي، الراحل رمضان شلح، ثم وثيقة النقاط الخمس، ثم في اللقاءات مع قادة الفصائل من أجل ترتيب الوضع الفلسطيني الداخلي.. أي أن الجهود السياسية التي تبذلها الحركة تأتي من أجل توحيد الصف الفلسطيني في مواجهة العدو، وليس من أجل الحصول على نفوذ داخل المؤسسة الفلسطينية.

 

لقد اعتبر البعض أن العمل السياسي يعني الصراع على السلطة أو من أجل النفوذ والسلطة، في حين أن العمل السياسي في مرحلة التحرر الوطني من الاحتلال الأجنبي يركّز على مهمة التحرير ويضع كل الامكانيات والجهود والمؤسسات الشعبية والنقابية والخدماتية في سبيل المقاومة والتحرير، كما تفعل حركة الجهاد الإسلامي، وكما فعلت حركات التحرر في العالم، التي بنت مؤسساتها السلطوية بعد التحرير وليس تحت سلطة الاحتلال، أو أقامت قواعدها العسكرية والسياسية والحياتية في المناطق المحرّرة التي لا تقتحمها القوات المعادية كيفما تشاء، على سبيل المثال في الجزائر وفيتنام والصين وكوبا.

التعليقات : 0

إضافة تعليق