مصلحة الشعب بين الحقيقة والوهم....  بقلم:  تيسير الغوطي 

مصلحة الشعب بين الحقيقة والوهم....  بقلم:  تيسير الغوطي 
أقلام وآراء

 بقلم:  تيسير الغوطي 

 

كثيراً ما نسمع مصطلح مصلحة الشعب الفلسطيني أو المصالح العليا للشعب الفلسطيني يتردد على ألسنة القيادات الفلسطينية عند كل موقف أو قرار يتخذه هذا الزعيم أو ذاك ليبرر به اتخاذه هذا الموقف أو ذاك القرار ، رغم أنه في كثير من الأحيان يرى قادة آخرون أن هذا الموقف أو القرار يضر بمصالح الشعب ، ليتخذوا قرارات ومواقف تضاد الأولى تحت نفسه الحجة والتبرير حماية مصالح الشعب الفلسطيني والتساؤل الذي يطرح نفسه في مثل هذه الأجواء ، مَنْ صاحب الحق في تحديد  تلك المصالح التي على الجميع أن يذهب باتجاه تحقيقها ؟ ، وهل هذه المصالح ثابتة لا تتغير باختلاف الزمان والظروف أم أنها متغيرة تبعاً للتغيرات من حولها ؟ أم أنها تجمع بين الاثنين؟ .

 

إن مصالح أي شعب على وجه الأرض تضم في ثناياها مصالح ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والأحوال وأخرى تتغير مع تغير الزمان والأحوال ، وهذه الأخيرة يكمن دورها في تحقيق أو الاقتراب من تحقيق تلك المصالح الثابتة ، وإلا فإنها تخرج من دائرة مصالح الشعب.

 

ومن المصالح الثابتة لأي تجمع بشري تحقيق إنسانيته التي كرم الله بها الإنسان عن سائر مخلوقاته ، وحفظ كرامته وحقه في الحياة الكريمة ، وتحقيق العدل والمساواة بين أفراده ، وحفظ حرية الأفراد بكافة أشكالها السياسية والفكرية والاقتصادية ....إلخ ، وكل ما يدفع باتجاه هذه الحقوق والمصالح يدخل ضمن دائرة مصالح هذا التجمع البشري ، والذي يقرر سلامة هذا الموقف أو الإجراء باتجاه تحقيق مصالح الشعب هو الآثار المترتبة عليه على أرض الواقع .

 

وما دمنا نتحدث عن مصالح الشعب ، فإن المنطق السوي يفرض أن يكون الشعب صاحب الحق الأول في تقرير أن هذا الموقف أو ذاك القرار يسير باتجاه تحقيق مصالحه ، لأنه هو الذي سيقطف ثمار النجاح أو يكتوي بنتائج الفشل ، وهذا ما نرى تطبيقه في المجتمعات والدول التي تحترم فيه القيادات شعوبها ، حين تلجأ هذه القيادات لأخذ رأي الشعب قبل اتخاذها القرار رغم أنها قيادات منتخبة من قبل الشعب لتسيير أموره ، كما رأينا في بريطانيا عندما لجأت الحكومة إلى استفتاء شعبي لتقرير البقاء من عدمه في الاتحاد الأوروبي ، أو في تركيا لتقرير تغيير شكل الحكم السياسي أو البقاء كما هو متبع حالياً .

 

أما في الدول العربية وفلسطين جزء منها فإن القيادات الحاكمة لا تكلف نفسها عناء التفكير في استشارة الشعب والجماهير في القرارات والمواقف المصيرية فضلاً عن القيام بتلك الاستشارة ، ربما يعود الأمر إلى أن هذه القيادات جاءت إلى مواقعها بطرق لا علاقة حقيقية للشعب بها كالانقلابات العسكرية أو الوراثة الأبدية أو الانتخابات الشكلية ، وما يرافقها من تزوير وشراء ذمم ، كما أن هذه القيادات تنصب نفسها ونفسها فقط الحامية والأمينة الوحيدة على مصالح الشعب ، وتلجأ إلى تبرير كل تصرفاتها وأفعالها بتحقيق مصالح الشعب حتى لو كانت هذه التصرفات والأفعال على أرض الواقع تضر بأبناء الشعب أيما ضرر ، انظر إلى كل ما يجري في الدول العربية خاصة مناطق الصراعات حيث كل طرف يدعي أن يعمل لمصالح الشعب ، فيما الشعب يُقتل أبناؤه صباح مساء على أيدي الفرقاء المتقاتلين ، وترُهن مقدراته لصالح هذا الطرف أو ذاك الذي يدين له قادة وزعماء الفرقاء بالطاعة العمياء مقابل الدعم المادي والمعنوي وما يحفظ عليهم مواقعهم وسلطانهم .

 

والقيادات الفلسطينية على ذات المنوال تبرر تصرفاتها بتلك الذريعة القديمة الجديدة ( حماية مصالح الشعب الفلسطيني ) ولا ندري ولا يمكننا استيعاب أي مصلحة لهذا الشعب المنكوب بالاحتلال والاغتصاب الصهيوني للأرض والمقدسات أولاً ، وبتلك القيادات المغتصبة لحقه في الدفاع عن كرامته وإنسانيته وحقوقه ثانياً تكمن في ملاحقة المجاهدين واعتقالهم واغتيالهم وربما تسليمهم لجنود الاحتلال ، أو في حماية المستعربين الذين يحاولون تنفيذ  أعمال إجرامية بحق أبناء الشعب الفلسطيني إذا ما تم اكتشافهم قبل تنفيذهم مخططاتهم (بدل اعتقالهم ومحاكمتهم) ، أو في المحافظة على التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني رغم كل ما يرتكبه بحق الشعب والأرض والمقدسات من تهويد واستيطان، أو في إرهاق الشعب الفقير المنكوب بمزيد من الضرائب والإتاوات ، أو في قمع الحريات والتعبير عن الرأي ورفض الظلم ، أو في تقسيم الشعب إلى فئات وطبقات اجتماعية أو فئوية حزبية ، ينعم منها ما كان قريباً من القيادات والزعامات الحاكمة بالخير والرفاهية، فيما يكون نصيب الكثرة الباقية الحرمان والفقر وشظف العيش ومعايشة  مشكلات وشح الحاجات الإنسانية الأساسية للعيش الكريم ، أو في .......إلخ من مصائب وإبداعات !!! والتي كان آخرها ( وليس الأخيرة ) قطع الرواتب وخصوماتها على أبناء القطاع المحاصرين .

 

خلاصة الأمر أن مصالح الشعب الفلسطيني لا تكمن في أهواء ونزوات القيادات الحاكمة وقراراتها التي لا يعلم إلا الله مًنْ الذي يقف خلفها ، وإنما تكمن فيما يحفظ لهذا الشعب الكريم إنسانيته وكرامته وحقه في الحياة الكريمة ، وحقه في الدفاع عن أرضه ومقدساته وتحريرها من الاغتصاب والسرقة والتهويد ، ويحقق له العدل والمساواة بين أبنائه في الأمل والألم ، في العمل والوظائف والترقيات ، في العيش ببحبوحة أو شظف ، في الثواب والعقاب إذا ما أخطأ أو أصاب ، وبغير ذلك فإن كل ما تتشدق به القيادات عن مصالح الشعب هو سحابة صيف ينكشف زيفها حينما تبزغ شمس الحقيقة ، أو هو وهم ينكشف زيفه حين يصطدم بالواقع على الأرض المباركة التي لا يثبت عليها إلا الحق والحقيقة .

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق