القدس كاشفة العورات .. فماذا كشفت؟!.. ثابت العمور

القدس كاشفة العورات .. فماذا كشفت؟!.. ثابت العمور
أقلام وآراء

ثابت العمور

يتردد دائما أن القدس وفلسطين كاشفة للعورات ولكن ما الذي كشفته القدس وما الذي عرته، ما الذي اكتشفناه كشعب فلسطيني مر على نكبته أكثر من ستين عاما؟، ما هو الزيف الذي مورس علينا وما مفردات الخطاب الذي أوهمنا أنفسنا به على مدار قرن منذ وعد بلفور إلى الآن؟ بكل موضوعية ووضوح اقر واعترف أن ما كشفته القضية الفلسطينية وما كشفته القدس يفوق الحصر والذكر ولا تتسع كل المساحات المتاحة لذكره والإتيان عليه، ولكن وباختصار شديد سأعرج على ما كشفه قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، أي العورات التي بدت خلال أسبوع واحد فقط، وسأكتفي بذكر العورات الفلسطينية والعربية فقط. وسأحرص أن أكون مؤدبا ومرنا قدر المستطاع عندما أعرج على ذلك واستحضره.

 

القدس كشفت أن السلام والتسوية هما مبرر وجود السلطة وليس الأمر مجرد خيار أو تكتيك تتبناه السلطة، وكشفت أن السلطة بحد ذاتها هي مشروع ومكسب لبعض النخب المستفيدة من الأمر شخصيا وانه لا يمكن حل السلطة أو حتى التلويح بذلك، القدس كشفت أن هناك علاقة وظيفية بقائية مصلحيه ما بين السلطة والاحتلال رغم كل ما يفعله الاحتلال حتى لو تعلق الأمر بالقدس وبالقضية نفسها.رجالات السلطة لا يمكنهم إلا حماية رؤوسهم التي يرتبط بقاؤها ببقاء الاحتلال.

 

القدس كشفت أن القضية تلاشت والحركة الوطنية الفلسطينية تلاشت والوعي والحضور لدى النخب والقادة والرسميين الفلسطينيين تلاشى ، نعم حتى الشعر تلاشى حتى الخطاب الواعي القادر على استنهاض الناس وإلهابهم وإلهامهم تلاشى كلمات جوفاء وسجع مصطنع هو ما غلب على الخطاب الفلسطيني الخاص منه والعام والعلماني منه والإسلامي. والسؤال ما الذي كان هؤلاء ينتظرونه حتى تتحرك ألسنتهم ويستدعوا عمق اللغة القادرة على التعبير عما وصلنا إليه، لا أقول خطاب عنتري رغم الفارق بين هؤلاء وبين عنترة ولكن أين الخطاب الجريء الذي يقول وبصراحة ومكاشفة نحن غير قادرين نحن غير مؤهلين نحن عاجزين ولا نخدع الشعب فليبحث الناس عن بدائل وهياكل وقادة جدد نحن انتهت صلاحيتنا؟

 

القدس كشفت أننا لم نبدأ في حصاد نتائج انقسام العشر العجاف وان أولى الحصاد هو ضياع القدس، وهي تكشف من بين مجموعة حقائق أخرى ان التمكين والحسبة والموظفين والمحاصصة كانت لدى البعض أهم، ولن تنطلي أكذوبة أن مواجهة قرار ترامب تجاه القدس يجب مواجهته بالمصالحة والوحدة الوطنية، كذابون لأنكم تعلمون أن ترامب سيفعل ذلك ولم تتصالحوا ، كذابون منذ ثلاثين عاما لأنكم انقسمتم وعندما قرر فريق الذهاب للثورة ذهب فريق للبناء والإعداد، وعندما قرر فريق الذهاب للتسوية ذهب فريق للثورة، ولم تكونوا يوما واحدا أشقاء ولم تحتكمو يوما واحدا للوحدة الوطنية إطلاقا، وما يحكم العلاقة هو المصلحة والفائدة والمردود والحفاظ على الوضع والامتيازات، نحن تم ذبحنا في ثلاث حروب حتى تركنا بيوتنا ولم تقرروا حينها أن المصالحة أولوية وان الرد هو الوحدة الوطنية، نحن بُحت أصواتنا من اجل ذلك ولكنكم بعد عقد من التيه قررتم الاقتسام، وجاءت القدس الآن لتكشف كل العورات.اخفوا عوراتكم إن استطعتم لا تدعوا استطاعة تحرير القدس والأرض والإنسان تحرروا انتم أولا .

 

القدس كشفت أن الفقراء والبسطاء هم الذين ذهبوا للحدود وهم الذين واجهوا العدو رغم علمهم بصفرية المعادلة لكن الجُبن لم يتمكن منهم ولم يحسبوها كحسبة التجار، البعض يهمس ماذا تفعل الإطارات والإضرابات والذهاب إلى الحدود الشرقية لقطاع غزة؟ ومتى كان الفدائي يتلبس منطق التاجر؟ إذا لم نغضب ونخرج ماذا يمكن أن نفعل هؤلاء لا يملكون ترف المؤتمرات والندوات والبيانات والتنديد. هؤلاء رأس مالهم دمهم وبالتالي يجودون به دون وصاية من قائد أو مسئول أو وزير جعل معاناة الناس وقضيتهم وأرضهم ومقدساتهم زاده وزواده وسلعته التي يروج لها.

 

القدس كشفت أن الدبلوماسية الفلسطينية صفرية، وان الرهان عليها صفر، القدس كشفت زيف الذين قالوا دولة فلسطينية والاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهللوا وطبلوا للدولة المراقب في الأمم المتحدة والسؤال الدولة الفلسطينية المعلن عنها والمعترف بها في الأمم المتحدة ما هي عاصمتها وان كانت القدس عاصمتها فكيف أعلن ترامب أن القدس عاصمة للكيان الصهيوني؟!

 

كثيرة هي العورات الفلسطينية التي كشفتها القدس وكبيرة كبر هذا الجرح وكبر هذا الوهم، ولكن القدس كشفت غبار الزيف وحررت الناس الذين تجاوزوا كل الهياكل والقادة ومضوا صوب القدس وحدهم.

 

عربيا كشفت القدس زيف العروبة والقومجية وحتى خدمة الحرمين الشريفين وهي خدمة ادعاء مزورة ومزيفة وكشفت القدس كيفية توظيف الأمر، لان ضياع القدس صدر من هناك وبمباركة وتأييد ودعم خليجي رسمي وغير رسمي. القدس كشفت أن جامعة الدول العربية ليست عربية ومكوناتها ليست دولا ولا أشباه دول، وعندما اجتمع وزراء خارجيتها قالوا أن ما حدث في القدس خطير ويضر بالدور الأمريكي الراعي للسلام، هكذا كشفت القدس أن العرب حريصون على المصلحة الأمريكية ويخشون عليها من الخطر اكبر من خشيتهم على القدس.

 

القدس كشفت أن ترامب اتصل بملوك السعودية واخبرهم وباركوا الأمر، واتصل بالعربان كلهم وباركوا وأيدوا، القدس كشفت أن الدول العربية اقل واصغر من أن تغلق أراضيها في وجه السفارات الأمريكية واقل واجبن من أن تطلب من سفرائها العودة لبلدانهم، القدس كشفت واقعاً عربياً نخجل من استحضاره والحديث عنه لكنه واقع خادش للحياء ولا يليق باللغة العربية ذكره ووصفه. وقد أضاع هؤلاء بغداد وتآمروا على دمشق وباعوا القدس مقابل جلوسهم على العروش.

 

القدس كشفت أن دويلة كالبحرين رفعت خمار الحياء وأبت إلا أن تُعلن عن قبحها فأرسلت وفدا من جمعية «هذه البحرين» ليزور الكيان الصهيوني أربعة أيام وليحمل رسائل ملكها للكيان الصهيوني وعصابته. القدس كشفت أن العرب اقل من مواجهة الحقيقة واقل من شرف الاقتراب من القدس والحديث عنها، القدس كشفت أن رئيس استخبارات دولة عربية التقى برئيس الموساد الصهيوني وعندما انكشف أمره قال كنت أقول له بان القضية الفلسطينية مهمة وانه لا بد من إيجاد تسوية سياسية للقضية الفلسطينية.

 

القدس كشفت زيف دعاة الوهابية ودعاة التضليل الذين ابتلعوا ألسنتهم عن القدس لكنهم أباحوا القتل واستباحوا الدم العربي والإسلامي في كل العواصم وأرسلوا الفتاوى لكل بقاع الكون، القدس كشفت الفجوة الحاصلة بين شعوب العرب وحكامهم وموازناتهم وجيوشهم القدس كشفت الجعجعة العربية، وكشفت أن الشرعية السياسية تأتي من هناك من واشنطن لا من صناديق الاقتراع والانتخابات.

القدس كشفت هذا الوهم وهذا التردي وهذا الزيف الذي نعيشه.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق