ما يجب على الفلسطينيين فعله بعد قرار ترامب بشأن القدس... حماد صبح

ما يجب على الفلسطينيين فعله بعد قرار ترامب بشأن القدس... حماد صبح
أقلام وآراء

بقلم : حماد صبح

في الأزمات الكبرى تنكشف حقيقة الولاءات ، وكثيرا ما واجهت القضية الفلسطينية في مسيرتها الطويلة هذه المعادلة السلوكية . وآخر مواجهة هي اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل ، والتهيئة لنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إليها . إجماع الآراء منعقد على أن ترامب ما كان ليجرؤ على اتخاذ هذه الخطوة الخطيرة لولا ما لقيه من تشجيع ومباركة من عدة دول عربية تتقدمها السعودية والإمارات .

 

وقبل هذه الخطوة التي لقيت تنديدا عالميا واسعا حتى من جهات يهودية بينها منظمة جي ستريت اليهودية الأميركية ، ومن 77 % من متابعي حساب ترامب ، وأكثرهم أميركيون ؛ بدأ النظام السعودي ، وفي ما يشبه الموسيقا التصويرية بتعبير الكاتب البريطاني ديفيد هيرست ، يمهد لها ، للخطوة الترامبية ، فاستدعى محمد بن سلمان أبا مازن على عجل ، وخيره بين الاستقالة وبين التخلي عن القدس وحق العودة ، وعرض عليه بتكليف واضح من الإسرائيليين بلدة أبي ديس بدل القدس لتكون عاصمة للدولة الفلسطينية في حالة قيامها.

 

 وظهر وسم " الرياض أهم من القدس " في الإعلام الإلكتروني السعودي مساهمة كبيرة واضحة في التمهيد  لخطوة ترامب ، وقويت حملات الكراهية في الإعلام السعودي ضد الفلسطينيين ، وفي قلبها أنهم باعوا وطنهم ، وتخلوا عن قضيتهم ، وأنهم كثيرا ما يسيئون للسعودية ، فكيف تقف السعودية معهم ؟! وكان كل ذلك تمهيدا ساذجا دالا على سطحية مذهلة بحق . معركة القدس عرت الموقف السعودي الحقيقي من فلسطين ، ومن كل القضايا العربية والإسلامية ، وبداهة أن هذا الموقف تعرى من قبل في مواقف كثيرة ما فتئت أحداثها تجري في سوريا وفي اليمن ، ولكن للقدس ولفلسطين ، على خطورة القضايا العربية والإسلامية الأخرى ، خصوصية متفردة لكونها موضع الصدام المركزي بين العرب والمسلمين وبين المشروع الصهيوني التوسعي الذي هو في حقيقته الخالصة رأس حربة غربي خطير . الموقف السعودي الذي سبق وصاحب وتبع معركة القدس أكد انحياز النظام السعودي المطلق للمشروع الصهيوني الغربي ، وصرح ترامب في هذه الناحية أن ذلك النظام معني بإيران فحسب .

 

ومن جهة مضادة ، ستنهال الإدانات الغاضبة على قرار ترامب ، وسيتوقف كل شيء عند تلك الإدانات التي لا تزعج أميركا وإسرائيل ،  ، وسيلقى العبء مباشرة ، مثلما حدث دائما ، على الفلسطينيين وحدهم . نعم ، سيكون لهم أنصار كثر على مستوى العالم ، ولكن هذه المناصرة لن تتجاوز الناحية المعنوية المقرة بحقهم والمؤكدة لقسوة مظلمتهم ، وهذا لا يبدل شيئا في حقائق الواقع على الأرض الفلسطينية ومنها القدس التي تفعل بها إسرائيل ما تريد ، وجاء رد فعلها الفوري على قرار ترامب بالإعلان عن بناء 14 ألف وحدة سكنية في منطقة القدس ، ولا خلاف على أن مشروع البناء هذا معد من قبل ، وأن الإعلان عنه بعد قرار ترامب استهدف إعطاءه دلالة رمزية : ها نحن نبني في عاصمتنا ! فماذا يجب على الفلسطينيين أن يفعلوا من خلال منظمة التحرير الفلسطينية للتأثير في الواقع الحقيقي في الضفة والقدس وغزة وفي مجمل قضيتهم ؟!

 

أولا : التخلي عن اتفاق أوسلو الذي جلب المكاسب لإسرائيل ، وجلب للفلسطينيين كل الخسائر ، وأخطرها توسع الاستيطان توسعا هائلا في الضفة والقدس ، وانقسام الفلسطينيين أحد عشر عاما تحولت الضفة وغزة خلالهما إلى سلطتين وهميتين متعاديتين .

 

ثانيا : وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل الذي ليس إلا مكسبا إسرائيليا ، وشللا لمقاومتها فلسطينيا .

 

ثالثا : هجر النزاع العقيم بين فتح وحماس حول أكذوبة الشرعية الوهمية ؛ فلا شرعية ، أي سيادة فعلية ، إلا لإسرائيل الآمرة والناهية في كل شئون الضفة والقدس وغزة .

 

رابعا : وضع الحالة الفلسطينية كاملة في مسئولية الأمم المتحدة . القضية الفلسطينية من مبتدئها قضية دولية انصبت أعباؤها الثقيلة ومآسيها العنيفة الدامية على الفلسطينيين ، ويجب أن يتأكد العالم أن الفلسطينيين لن يدفعوا وحدهم أكلاف جريمة قواه الكبرى التي مكنت الحركة الصهيونية من اغتصاب وطنه ، وأن على هذا العالم أن يجبر إسرائيل على الإقرار العملي والقانوني بأن في فلسطين شعبا آخر يفوق الآن سكانها عددا ، فكيف يعيش في وطنه محتلا مقموعا دون هوية وطنية وسياسية وحياة إنسانية ؟!

 

ومن جانب ، على الإسرائيليين أن يسألوا أنفسهم : لم احتاجوا إلى وعد بلفور ليكون لهم وطن في فلسطين إذا كانت هي وطنهم حقا ؟! هل في الدنيا شعب يحتاج إلى وعد من دولة أخرى ليعيش في وطنه ؟! ولقرار من دولة أخرى يثبت أن مدينة معينة هي عاصمة دولته ؟! فعلا الحقائق لا تموت . وإنها لرؤية عميقة النفاذ والدلالة أن يتساءل كيم أون جونج رئيس كوريا الشمالية : " وهل وجدت إسرائيل حتى تكون القدس عاصمتها ؟! " ، فأكد بتساؤله البليغ المبين أن اغتصاب وطن الآخرين لا يمنح المغتصب براءة الوجود وأخلاقيته حتى لو وجد بفعل القوة . منظمة التحرير الفلسطينية مجبرة على اتخاذ قرارات حقيقية مصيرية . القيادات الحقيقية تتخذ قرارات حاسمة في اللحظات المصيرية ، ولا تكتفي بالتعليقات الإعلامية عليها وإبداء الرأي فيها . هل تتخذ منظمة التحرير الفلسطينية القرارات الواجبة بعد قرار ترامب بشأن القدس ؟! أشك في هذا .

التعليقات : 0

إضافة تعليق