في أعقاب قرار ترامب

الـــعـــرب والــقــدس.. لا جــديــد !

الـــعـــرب والــقــدس.. لا جــديــد !
سياسي

 

غزة/ محمود عمر:

كان أكثر المواقف خذلاناً بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين تلقوا نبأ اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني ونقل سفارة بلاده إليها، الأربعاء الماضي، هو سطحية الردود العربية التي لم تخرج عن سياق الشجب والاستنكار، دون الإعلان عن اتخاذ أي خطوة قد تضر من قريب أو بعيد بالمصالح الأمريكية.

 

وبعض بيانات الشجب التي صدرت عن دول عربية وازنة، يعتقد قارئها أنها صدرت عن خجل واستحياء من الموقف، مثل بيان السعودية الذي صدر عن «مصدر» لم تسمه في وزارة خارجيتها، وبيان المغرب حيث كانت أكثر جملة تحمل سخطاً فيه هي «المغرب يعبر عن انشغاله العميق من قرار ترامب»، على غرار بيانات الأمم المتحدة التي تعبر عادةً فيها عن"قلقها العميق".

 

وذهب بعض العرب إلى أكثر من ذلك الضعف في الموقف، ففي الوقت الذي تنزف فيه الدماء الفلسطينية دفاعاً عن الأقصى والقدس، زار وفد بحريني مكون من 24 شخصية الكيان الإسرائيلي السبت الماضي، وتجولوا في البلدة القديمة من مدينة القدس المحتلة، رافعين شعار التسامح بين الأديان.

 

وبين هذه البيانات الركيكة والأفعال المخزية، خرجت بعض المواقف الإسلامية من خارج إطار وطننا العربي، لتحمل كلمات حادة وجادة أكثر من أي خطاب عربي وجه إلى ترامب، مثل موقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي اعتبر فيه القدس خطاً أحمر وهدد بقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني، وموقف وزير الدفاع الماليزي الذي أكد فيه استعداد جيشه لخوض المعركة من أجل القدس.

 

وشهدت الأراضي الفلسطينية مؤخراً عدة تظاهرات تدين الموقف العربي غير الحازم في التعامل مع قرار ترامب، وتطالب باتخاذ إجراءات عملية وحازمة ومحددة الأهداف لإرغام ترامب على العدول عن قراره المخيب.

 

وعقدت جامعة الدول العربية اجتماعاً طارئاً السبت الماضي على مستوى وزراء الخارجية العرب، أكدت فيه على المؤكد سابقاً، وهو استنكار إعلان ترامب ورفضه وقالت إنه لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة، كما أوضحت أن هذا القرار يدفع لإعادة النظر في مسار عملية التسوية.

 

القضية الأولى

 

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة سيف الدين عبد الفتاح، أن قضية القدس كانت على مر عقود هي القضية الأولى عربياً وإقليمياً والمسبب الرئيس في تفجر طاقات الشعوب العربية، إلا أنها أصبحت اليوم قضية موسمية الأمر الذي شكل سبباً قوياً أمام ترامب لاتخاذ قراره الجريء بحق القدس.

 

وقال عبد الفتاح لـ"الاستقلال": "القدس هي بوابة العرب نحو استعادة النهضة والحضارة والقوة والمكانة، ودون القدس لا مكانة أو قوة أو حضارة للعرب الذين وقفوا متفرجين أمام تحدي ترامب واستفزازه لهم، لذلك اعتقد أن المرحلة القادمة ستكون لصالح الكيان الصهيوني إذا ما استمر العرب بخذلانهم".

 

وشدد على أن قرار ترامب نقل السفارة الأميركية إلى القدس يعني عملياً بروز عدة حقائق، وهي موت ما تسمى "عملية السلام" الفلسطيني الإسرائيلي، وموت اتفاقيات أوسلو، ونهاية أوهام انسحاب "إسرائيل" من أي أرض محتلة أو قبولها بدولة فلسطينية على حدود 1967، وفشل السلطة الفلسطينية وانتهاء دورها وسقوط رهاناتها.

 

وأوضح عبد الفتاح أن وقوع بعض الدول العربية في وحل التطبيع السري وأحيانا العلني مع "إسرائيل"، منح هذا الكيان القوة والجرأة على الاستعلاء والمضي قدماً في مخططاته الاقتلاعية والاستيطانية والتهويدية بحق كل ما هو فلسطيني، وهذا أيضاً منح ترامب فرصة للاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال.

 

وأضاف: "إن النظم العربية اليوم متهاونة ومطبعة ومتراجعة ومتساهلة ومهدرة للحقوق، وهي في أضعف حالاتها، قد نصبت ترامب سيداً عليها منذ أن زار المنطقة العربية وأجرى العقود التجارية والعسكرية مع العرب بقيمة مئات مليارات الدولارات، وبعد أن أخذ المال العربي يهدي اليوم أقدس المقدسات الإسلامية لليهود لتكون عاصمة لهم".

 

ولفت عبد الفتاح النظر إلى عدم اهتمام ترامب بالتحذيرات العربية التي صدرت قبيل اتخاذه القرار، بل ووصلت به الجرأة والوقاحة الاتصال ببعض الزعماء والملوك العرب لإخبارهم بقراره وإصراره على اتخاذه، كل ذلك يرسم مشهد ميزان القوى العربية في العالم والتي من الواضح أنها لا تساوي أي شيء.

 

ولم يستبعد المحلل السياسي المصري أن تكون هناك دول عربية موافقة فعلاً على إعلان القدس عاصمة لدولة الاحتلال وفقاً لصفقة القرن التي يحاول ترامب تمريرها في المنطقة وإيجاد شركاء عرب في رعايتها.

 

وشدد على أن قرار ترامب يحتاج إلى إجراءات فلسطينية وعربية عملية تنفذ في الحال ودون تأخير، أهمها سحب الاعتراف الفلسطيني بدولة الاحتلال، وقطع كامل العلاقات بين السلطة وأمريكا، واتخاذ العرب قرارات تمس كامل مصالح أمريكا في المنطقة، من خلال مقاطعة البضائع الأمريكية وتقليص حجم التعاون والتجارة بينهما مع إيجاد بدائل أخرى في العالم.

 

ركاكة الأنظمة العربية

 

فيما يرى المحلل السياسي عبد الستار قاسم، أن ركاكة الأنظمة العربية شكلت جسراً للإدارة الأمريكية لاتخاذ مثل هذا الإعلان الخطير، وقال لـ"الاستقلال": "بلا القدس لا يوجد قيمة للعرب، وإذا لم يتغير قرار ترامب وتراجع عن إعلانه، فلا عزاء للفلسطينيين سوى تمسكهم بعقيدتهم التي تجعلهم مؤمنين بأنهم أصحاب حق وأرض".

 

وأضاف: "لو لم يكن الرئيس الأمريكي مرتاحاً ومطمئناً من أن العرب لن يتخذوا أي إجراء عملي كرد فعل على قراره بالاعتراف بالقدس عاصمة للصهاينة، لفكر وتريث وأجل كما كان يفعل أسلافه من الرؤساء الأمريكيين، ولكن ترامب تأكد تماماً أنه لن يواجه بقرارات عربية على قدر الحدث".

 

وأكد قاسم أن أمريكا التي دعمت الحركة الصهيونية منذ القرن التاسع عشر وشجعت اليهود للهجرة إلى أرض فلسطين، ولا تزال تضخ مليارات الدولارات لصالح الكيان الصهيوني، هي ذاتها أمريكا التي تقيم علاقات طيبة جدا مع الأنظمة العربية، وتستبيح الأراضي العربية بقواتها وأجهزتها الأمنية بموافقة الرموز العربية.

 

وبيّن أن بعض قادة العرب تمسكوا بخطب ود أمريكا سعياً لحل مشاكلهم وتثبيتا لأركان حكمهم، مشيراً إلى أن السلطة الفلسطينية عاشت ولا تزال تحت وهم الدرع العربي الذي يساندها خلال مفاوضات التسوية مع الاحتلال.

 

وتابع المحلل السياسي: " آن الأوان لأن تستيقظ السلطة وأن تبدأ بجمع ما تبقى من شتاتنا الفلسطيني وإعادة بناء مؤسساتها بالشراكة مع كافة الفصائل، والاتفاق على استراتيجية وطنية فلسطينية واحدة لمواجهة هذا الاحتلال تقوم على أساس الاستخدام الكامل لكافة أدوات الصراع وأشكال النضال".

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق