ملبياً نداء الغضب لقرار ترامب

الشهيد المصري.. رسم بدمه حدود الدفاع عن القدس

الشهيد المصري.. رسم بدمه حدود الدفاع عن القدس
مقاومة

غزة/ دعاء الحطاب:

لم يبال ببرد ديسمبر القارص، ولا بالأسلاك الشائكة التي تحول بينه وبين مواجهة مباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي، ارتدى ملابسه وودع عائلته بنظراتٍ صامته وابتسامة سريعة ثم خرج مسرعاً، حيث نقاط التماس مع العدو على الشريط الحدودي لمحافظة خانيونس وسط قطاع غزة، ملبياً نداء النفير للقدس والدفاع عنها، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لـ" إسرائيل" ونقل السفارة الأمريكية إليها.

 

فبقلبٍ ثائر كالبركان، تقدم الشاب محمود المصري( 29 عاماً) وعشرات المواطنين الغاضبين إلى حدود التماس مع الاحتلال ؛ الصفوف الأمامية وعلم فلسطين يلوح بيده ولسانه يردد " القدس عاصمتنا الأبدية، سنحميها بأرواحنا وأجسادنا"، وألقى حجراً تلو حجر حتى تمكن أخيراً من رفع علم فلسطين فوق تلك الاسلاك الشائكة، لكنه كان يعلم أن ثمة  قناصاً يراقبه، وفي دقائقٍ اتخذ قراراً بإعدامه، قبل أن يصوب رصاصاته الحاقدة لتمزق شرايين قدمه وتٌسقطه أرضاً، ولم يكتف بذلك فقد عطل الوصول إليه حتى نزف دماؤه ليرتقي شهيداً من أجل القدس.

 

واستشهد المصري يوم الجمعة الماضية برصاص قوات الاحتلال خلال مواجهات اندلعت بين عشرات من الشبان وجنود الاحتلال الإسرائيلي على الحدود الشرقية للقطاع، ويعد أول شهيد في مسيرات الغضب الرافضة لقرار الإدارة الامريكية بأن القدس عاصمة لإسرائيل.

 

اللحظات الأخيرة

 

بصوتٍ مرتجف ودموع حبيسة، سرد والد الشهيد محمود تفاصيل آخر لحظات حياته قائلاً: "رجع ليلة الخميس ملابسه مُتسخة بالدخان ووجهه مفارق لابتسامته المعتادة وحين سألته ما به، أجاب كنت بالمظاهرات وبعد لحظات من الصمت قال "الوقح ترامب" بعطيهم القدس عاصمة و الله ما بهدأ إلا لما يتراجع عن القرار أو استشهد، حينها أدركت مدى غضبه وانتابني خوف كبير عليه لكنى لم استطيع فعل شيء سوى أني أوصيه بالانتباه على نفسه"، مشيراً إلى أن نجله عندما سمع إعلان ترامب أن القدس عاصمة لإسرائيل، انتفض وثار دمه ولم ينم ليله.

 

ويتابع بغصة تعترض صوته: «ظهيرة يوم الجمعة تناول معنا الغداء بسرعة، وارتدى أجمل ثيابه وتوشح بكوفيته واختار حذاءه الرياضي كي يساعده في الركض»، لافتاً إلى أنه لم يكن يعلم أن نجله سيشارك في المواجهات لكنه توقع ذلك لأنه دائماً كان يشارك بالأحداث والمواجهات مع الاحتلال الإسرائيلي على الحدود الشرقية. 

 

موعد مع الشهادة

 

وبينما كان الأب جالساً أمام منزله برفقة الجيران يتبادلون أطراف الحديث حول قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة بشأن القدس، شعر فجأة بوخزة في قلبه وأخبرهم أنه يخشى على نجله محمود، حاول من حوله طمأنته لكن احساسه كان أقوى، فما هي الا دقائق حتى جاءه اتصال من أحد الشباب يعلمه بأن نجله قد أصيب بقدمه وتم نقله للمستشفى.

 

وأضاف والألم يعتصر قلبه: " ذهبت إلى المستشفى بسرعة وطول الطريق أدعى يا رب سلمه، حينما وصلت كان الطبيب بجانب محمود يضع يده على رأسه، سألته عن حجم اصابته أخبرني بأن وضعه سيء وقد دخل في غيبوبة، لأن الرصاصة قطعت شريانه وتُرك ينزف مدة ساعتين حتي تمكن الشباب من نقله للمستشفى".

 

قلب الأب الذي فُطر على حُب ابنه، بقي يتأرجح بين لوعة الانتظار ودموع الرجاء لساعة حتي جاء الخبر القاسي، ليسرع إلى غرفة العناية ويلقى نفسه فوق فلذة كبده والدموع تنهمر من عينيه ولسان حاله يصف حجم ألمه، وقد تركه من حوله للحظات، لكن الأب الحنون لم يستطع ترك ذلك الجسد الهامد، فنزعوه من نجله الشهيد بقوة فخرج يردد " طلبت الشهادة ونلتها".

 

بصوته الحزين يقول:" كنت أنتظر خبر خروجه من الغيبوبة واستقرار حالته، لكن صدموني بخبر استشهاده وقمت زي المجنون على غرفة العناية أحضنه وأترجاه يتنفس، إلا أن الأطباء أبعدوني عنه وأخذوه على ثلاجات الموتى".

 

شهادة مٌنتظرة

 

" لو متنا عشاق شهادة مثل الشجرة بأرض بلادي بنموت ونحن واقفين"،  "احنا عشاق البارود وباسمك نعلي الراس، دونها يا رصاص دونها، واحكي للأسود عنا بالدم نجود"، تلك العبارات كانت آخر الكلمات التي نشرها الشهيد محمود المصري على صفحته الشخصية (فيسبوك).

 

وقال والد الشهيد:" في الفترة الأخيرة كنت أتوقع بكل لحظة أن يأتي خبر استشهاد محمود  لأنه كان يتمنى الشهادة بشدة ودائما يتحدث عنها ويشارك بالمظاهرات السلمية والمواجهات ضد الاحتلال، لكن ما لم أتوقعه أن يأتي خبر استشهاده بهذه السرعة وأن يصبح التمني حقيقة".

 

وبنظرة فخر وتحدٍ كبير، أضاف: " ابني قطعة من روحي وغالي عليا لكن القدس يرخص لها كل غالي، وأنا أفتخر بان ابني نال الشهادة وبإذن الله سأقدم نفسي وكافة أولادي فداءً للقدس عاصمة فلسطين، ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم".    

 

ووصف نجله، بصاحب الوجه البشوش والحنون، يسعى لإرضاء والديه دائماً، فهو المحبوب لدى الجميع، كان يتوق دائماً لمساعدة وخدمة الناس من عرفهم ومن لم يعرفهم. 

 

نظرة الوداع

 

أما والدة الشهيد، فباتت تستجمع قواها تارة وتنهار تارة أخرى لكنها ورغم صعوبة حالتها الصحية أصرت على انتظار فلذة كبدها مع جموع المنتظرين لإلقاء نظرة الوداع ، كيف لا وهي من ربته ورافقته سنوات العمر الطويل بحلوها ومرها. 

 

وشارك الآلاف يوم السبت الماضي في تشييع جثمان الشهيد محمود ونقله من مستشفى الأوروبي، إلى مسقط رأسه في مدينة خانيونس جنوب القطاع، حيث ألقت أمه وعائلته نظرة الوداع عليه قبل دفنه في أجواء مؤثرة حضرت فيها الدموع، وامتزجت الزغاريد مع الدعاء للشهيد.

 

وردد المشاركون في الجنازة هتافات غاضبة مطالبة بالرد على جرائم الاحتلال، حاملين شعارات تؤكد على استمرار المقاومة وضرورة مواصلة الاستعدادات لمواجهة العدو في المعركة المقبلة.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق