كيف نقرأ القرار الأمريكي حول القدس؟.... جميل عبد النبي

كيف نقرأ القرار الأمريكي حول القدس؟.... جميل عبد النبي
أقلام وآراء

جميل عبد النبي

منذ وقع ترامب القرار الأمريكي بالاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، ومن ثم إعطاء التعليمات لوزارة الخارجية بالبدء في خطوات نقل السفارة الأمريكية من تل ابيب إلى القدس، ربما وبدون مبالغة قرأت أكثر من مائتي مقال وتحليل ورأي حول هذه الخطوة، تجولت خلالها مع كتاب ومحللين من مشارب متعددة، ولكل منهم زاويته التي يرصد من خلالها المشهد السياسي.

 

أكثر ما لفت انتباهي ويمكنني أن أتهم به معظم التحليلات والآراء السياسية التي تناولت الحدث، أنها تخلو من الحيادية الحقيقية في القراءة، حتى لكأنك تستطيع أن تتوقع ما الذي ستقرأه قبل أن تقرأه، بمجرد أن تعرف اسم الكاتب وخلفياته السياسية، وأحيانا الحزبية!.

ماذا يعني هذا؟

 

هذا يعني باختصار أن الكثير من آرائنا تسبق في تكوينها الحدث الذي سنعطي رأينا فيه . يمكن أن نتفهم ذلك فيما لو كانت المسألة التي يطلب منا إصدار موقف ما حولها تتناقض مع ثوابت حقيقية في الدين أو السياسة أو الأخلاق، مع أن الأصل أن نستمع لما لدى المخالفين، أيا كان حجم التناقض الذي يفصل بيننا وبين صاحب الرأي المخالف، ويمكن الاستدلال هنا بالحوار الذي أجراه الله مع إبليس بعد رفضه السجود لآدم عليه السلام، فرغم كل ما بدا من إبليس من مخالفة صريحة للأمر الإلهي، إلا أن الله استمع إلى حججه قبل أن يصدر حكمه عليه بالطرد من الجنة.

 

ما أود قوله هنا أيضا: أن خلفياتنا المسبقة تحكمت ليس فقط في الموقف الذي سنتخذه حول الخطوة الأمريكية- فهذا مما يمكن تفهمه- وإنما ذهبت في اتجاه التأثير في طبيعة قراءتنا لدوافع الخطوة ذاتها، وكل منا يرى المسألة من الزاوية التي يراقب الحدث من خلالها.

مثلا: يرى البعض أن الدين هو المحرك الحقيقي لخطوة ترامب! حيث أن حكام أمريكا ينتمون إلى المذهب البروتستانتي الذي يعتبر أقرب المذاهب  إلى اليهودية، وأن أتباع هذا المذهب يتبنون كل المقولات اليهودية حول ما يسمونه حقوقهم التاريخية في فلسطين، وموقع جبل الهيكل الذي بني فوقه المسجد الأقصى، حتى المعارك المستقبلية» هار مجدون مثالا» يؤمن بها هؤلاء ويتعجلون حدوثها، ويمهدون لها الطريق.

 

يتجاهل هذا التفسيير للأحداث العوامل الاقتصادية والسياسية والمصالح الامبريالية للدول الكبرى، ولا يرى الأحداث إلا من زاوية فهمه الخاص للدين.

 

رأي آخر يحصر المسألة في التأثير اليهودي في أميركا وفي العالم، سواء من خلال اللوبيات القوية خاصة في أمريكا، أو من خلال التحكم اليهودي في المال على مستوى العالم.

 

ينطلق هذا التفسير من مسلمة- حسب ادعائه- بأن اليهود هم الذين يوجهون حركة العالم، وإليهم ينسب كل ما هو شاذ، حتى أنه يتبنى مقولة:» حيثما كانت هناك أزمة ففتش عن اليهود».

 

بالتأكيد لا يمكن إنكار دور اليهود التخريبي في أكثر من منطقة في العالم، لكن وصم ديانة ما بكل أتباعها بوصف سلبي معين، يمكن تصنيفه بالعنصرية، حيث لا يصلح التعميم في في كل الحالات، كما أن مثل هذا الادعاء يجعل من اليهود آلهة وقدرا للعالم! أتباع هذه القراءة للعالم يتجاهلون كل المؤثرات الأخرى التي تساهم في دفع حركة الأحداث في كل الاتجاهات، وعليه يمكن ببساطة قراءة المشهد السياسي عندما تبحث عن اليهود خلف الستار، فاليهود إذن هم الذي دفعوا ترامب لتبني قرار نقل السفارة، ويمكنهم التدليل على ذلك بالتذكير بعدد اليهود العاملين في المراكز الحساسة، كوزراء ومستشارين وسفراء.

 

آخرون: ينسبون كل أحداث العالم إلى مؤامرة كونية، وغيرهم يراها محاولة أمريكية لإدامة توتير المنطقة تمهيدا لاستكمال مشروع الشرق الاوسط الجديد، الذي- على ما يبدو- لم تكتمل معالمه بعد، ويحتاج إلى شيء من التسخين ستساهم القدس بلا شك في جلبه للمنطقة.

 

الخلاصة: لا يخلو أي مما سبق من درحة معينة من الصحة، فالدين كان ولا يزال عاملا مؤثرا من عوامل دفع الحركة الإنسانية، لكنه لم يعد وحده الفاعل في هذا المجال، وربما لم تعد له مركزية حقيقية خاصة في منظومة الدول الديمقراطية، حتى وإن استخدمت بعض شعاراته استخداما نفعيا في بعض الأحيان، فأنت لا تستطيع تجاهل أثر الاقتصاد الذي ربما تتفوق آثاره على الدين بكثير هذه الايام، ما يعني أن دولة كبيرة كأمريكا لا يمكنها أن تضحي بعالمها الاقتصادي جريا خلف مقولات دينية هم أول من تجاهلها وضرب بها عرض الحائط.

ولن تستطيع تجاهل أثر اللوبيات اليهودية الفاعلة في العالم وخاصة أمريكا، كما لن تستطيع إلغاء فكرة المؤامرة تماما، حيث دائما هناك أطراف تتآمر على اطراف أخرى، دون أن يعني هذا أن تآمرهم بات قدرا وحتما مقضيا.

 

أي قراءة سياسية حقيقية لا بد وأن تلتفت إلى كل المؤثرات ذات الشأن، حتى تصل إلى رؤية واضحة، أو قريبة من الوضوح..! فنحن وبكل أسف لسنا صناع سياسة، نحن مجرد متلقين لسياسات الآخرين، وفي أحسن احوالنا نحاول أن نفهم بالضبط ما الذي يريده الآخرون حتى نقلل من حجم الخسائر التي ستترتب على مخططات الآخرين.

 

قد تكون أميركا بالفعل بحاجة إلى شيء من التوتير، ومثلها إسرائيل لدفع المنطقة في اتجاه تحولات ما، فإسرائيل مثلا تتغذى على العنف، وتستخدمه للتهرب من أي استحقاقات تتعلق بالفلسطينيين، هذا كله وارد، ربما علينا ألا نعطي الفرصة لأميركا وإسرائيل، لكن دون أن نسمح بتمرير قرار يتعلق بالقدس، رغم أن هناك خطراً يتعلق بكل التراب الفلسطيني، لكن القدس ليست كغيرها في الوجدان الفلسطيني.

أعرف تماما أنني لم أقدم إجابات بحجم الحدث، وانا أصلا لم اسع هنا لتقديم إجابات، إنما مجرد تقديم نصيحة لقارئي السياسة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق