الحلقة السادسة

في ذكرى مولد النور... الشيخ نافذ عزام

في ذكرى مولد النور... الشيخ نافذ عزام
دنيا ودين

الشيخ : نافذ عزام

 

حرص النبي صلى الله عليه وسلم أشد الحرص على اتحاد الصف المؤمن وتماسكه وتضامنه تأكيداَ منه على أن الأمة لا يمكن أن تقوم بدورها في حماية هذه القيم ، وصيانة الكون والإنسانية ، بدون اتحادها وتجمعها ، وقد كان الخطاب الإلهي يرسم هذه الملامح في كثير من آيات القرآن الكريم التي لم تتوجه للفرد فقط ، بل توجهت للجماعة والأمة تأكيداً على حتمية الاتحاد والتجمع كقوله تعالى: ( يا أيها اللذين أمنو اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ) فالحق تبارك وتعالى يخاطب الأمة وكأنها جسد واحد وكيان واحد عبادة وطاعة وتعميما للخير في الحياة ، وحتى الفرد عندما يقف خمس مرات مناجيا ربه في صلاته وعبادته تكون مناجاته بصيغة المجموع ، على اعتبار أن الفرد جزء من هذا المجموع ، وعضو في الجماعة الكبيرة التي هي الأمة ( إياك نعبد وإياك نستعين ) وعندما يدعو ويسأل الله الخير في كل صلاة يدعو لنفسه ولإخوانه المنتشرين في كل أنحاء الأرض ( أهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ) فالله سبحانه وتعالى لم يخلق الناس ليتصارعوا ويتناحروا ويقتل بعضهم بعضا ، بل خلقهم ليتعاونوا معا في اصلاح الأرض وتأمين الحياة ( يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) حتى لو تعددت العقائد والقوميات والأجناس فالأصل أن يسود التفاهم والوئام والتعاون بين البشر فيصبح من باب أولى أن يتماسك المسلمون الذين تجمعهم العقيدة والثقافة والتاريخ حتى يكونوا قادرين على اصلاح حياتهم ، ومعها يصبحون أقدر على مواجهة أعدائهم والأخطار الخارجية ، هكذا كان الخطاب القرآني ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ، الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ) .

 

وفي موضع أخر يتحول الأمر إلى تحذير من الفرقة والاختلاف والتشتت ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ، أولئك لهم عذاب عظيم ) . ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ) .

 

لقد كان ائتلاف القلوب والمشاعر واتحاد الغايات والأهداف من أرفع قواعد الإسلام وأهم القيم التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم  فيقول عليه الصلاة والسلام ( ثلاث لا يغل عليهن قلب امرؤ مؤمن اخلاص العمل في الله ، والمناصحة لأئمة المسلمين لزوم جماعتهم ، فإن دعاءهم يحيط من ورائهم ) .

 

إن المسلم يؤدي الصلاة المكتوبة كما هي منفرداً ، أو في جماعة ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث في الفرق الكبير في الأجر والثواب والنتيجة ( صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع  وعشرين أو بتسع عشرين درجة ) مع أنه نفس عدد الركعات ، ونفس الصلاة ، لكن إحساس الفرد لا يختلف عندما يشعر أنه يتلاحم مع غيره في صف واحد ونحو وجهة واحدة ، شعوره يختلف عندما يشعر أنه جزء من كيان كبير تترابط أجياله قديما وحديثا ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم واضحا وقاطعا وحازما في التحذير من العزلة والفرقة والانكفاء على الذات ، فعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الشيطان يهم بالواحد والاثنين ، فاذا كانوا ثلاثة لم يهم به ) ولما رأى أصحابه وإخوانه في أسفارهم يتفرقون وينتشرون في مساحات واسعة اذا توقفوا للاستراحة نهاهم عن ذلك قائلا: ( إن تفرقكم هذا من الشيطان ، فلم ينزل بعد إلا انضم بعضهم إلى بعض ، حتى يقال : «لو بسط عليهم ثوب لعمهم ) كما يقول أبو ثعلبه راوي الحديث ... وحذرهم في أكثر من موضع وأكثر من مناسبة ( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) بل كان صارما وحازما تماما في مواجهة التفرق ، والعمل على تفتيت الأمة ، واشعال الصراع بين مكوناتها حين قال: ( ستكون هنات وهنات ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع ، فاضربوهم بالسيف كائنا من كان ) ويتواصل التحذير الصارم والنهي عن اشعال الحروب داخل الأمة ( من خرج على أمتي يضرب بارها وفاجرها ، ولا يتحاشى من مؤمنها ، ولا يفي بعهد ذي عهدها فليس مني ولست منه ) .

 

الكلام واضح ...مواجهة نبوية صارمة لمن يشتغل في أحوال الأمة ، ومن يمارس القتل العشوائي ، والعنف العشوائي ، ولا يراعي حرمة المؤمن وعرضه وأمنه وكرامته ، ولا يحترم من أعطته الأمة العهود وتكفلت بأمنه وسلامته ...مواجهة نبوية صارمة حرصا من الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام على سلامة الجبهة الداخلية لتكون في أفضل حال ، ولتكون مؤهلة لنشر قيم الحق ، والتصدي للغزاة والطغاة والمستعمرين ...وهذا بالضبط ما تحتاجه الأمة في هذه الساعات الصعبة وأعداؤها يتلاعبون بها ، ويقدمون الهدايا من مقدساتها ومقدراتها لبعضهم ...هذا بالضبط ما تحتاجه الأمة وهي تطل على هدي نبيها ، تتوجع للاعتداء على أقدس مقدستها!.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق