وتسألني لماذا تتّشحُ بالحزن الكلمات؟.. عبد الله الشاعر

وتسألني لماذا تتّشحُ بالحزن الكلمات؟.. عبد الله الشاعر
أقلام وآراء

عبد الله الشاعر

بتردد واستحياء، سألني أحد الأصدقاء: أشعر أنّ في نصوصك حزنًا عميقًا، فما السرّ في ذلك؟

تنهدّت مطوّلًا، وابتسمت أطول، ثمّ أجبت:

 

أنا يا صديقي طافحٌ باليقين، وقلّما تغادرنا البشاشةُ، لكنّ في أعماقي من مبرّرات الحزن ما يفوق احتياطي الخليج من النفط، وفي الوقت ذاته مسكونٌ بيقين وثقة تفوق يقين الدول النوويّة بترسانتها، فهم يحملون ثقتهم بحقائب نووية، وأنا أحمل ثقتي بمُضغةٍ لا تعرف اليأس، وموقنة أنّ العاقبة للمتّقين.

 

أعذُرُهم أولئك الذين يُبصرون الدمع في النصوص، ويسمعون النشيج في سطورها، فأنا أكتب نيابةً عن المقهورين، وعن الذين يسابقون العتمة؛ كي يصلوا شقاءهم باكرًا، ثمّ يعودون مساءً، وقد تدثّروا بالعتمة والإرهاق والقلق.

 

نصوصي هي صوتُ أولئك المصلوبين على أعواد الوقت، تحزّهم سكاكين الحياة، فيهربون منها إلى مسالخ الشقاء.

 

هي صرخات المُكمّمين بكورونا الكبت، وفَرَمانات الساسة، وسياط الجلادين.

 

كلماتي يا صديقي هي بقايا الصراخ الذي تجمّد على الشفاه اليابسة، والأحزان العالقة على جدران الحياة، والتجعّدات التي ترتسم فوق جباه المُتعبين علامةَ شقاءٍ فارقة!

 

أنا أكتب نيابةً عن أولئك الذين تمضغ الزنازينُ لحومَهم، وأعمارَهم، ثمّ يُتركون فرادى في مواجهة الغياب، فكيف لا تبدو كلماتي مُغمّسةً بالحزن والدموع؟

 

أنا يا صديقي، لا أستطيع إغماض عيني عن الملايين ممّن يجوبون أصقاع الأرض هربًا من أوطانهم وذكرياتهم، وينشدون النجاةَ ممّن سلب منهم الحياة، فيتركون أوطانهم مُكرهين؛ كي لا يسفك القتلة دماءهم، او يهتك الأوغاد أعراضهم.

 

لا أستطيع إغماض قلبي عن أولئك الذين يُمارس عليهم المخصيّون فحولَتَهم، ويتركونهم في أصقاع الأرض أشلاءً يدبّ القهر في خلاياها

 

هل تريدني أن أشاهد نشرة أخبارٍ عن اليمن الجريح، وأنا أمضغ القات السياسي؟

 

هل تريدني أن أغضّ الطرف عن الأطفال الذين تبتلعهم المآسي، ثم تلفظهم الحروب ضحايا على شواطئ الغربة والضياع؟

 

أنا لا أستطيع مشاركة الجيل انهياراته، والرقص معه على ألحان (عميّ يا أبو البار)، كما لا أستطيع مقاومة الغزاة بهزّةِ خصرٍ بحنّية.

 

نعم أنا متخمٌ بالحزن حدّ الكآبة، وغارقٌ في دموعي حتى مفرق القلب الذي ما عاد يقوى على الصمت إزاء هذا الانهيار الذي يجتاح مناحي الحياة.

 

فأنا لا أستطيعُ الغناء مع فيروز (شتّي يا دنيا شتّي) فيما يُمطرُ الأوغادُ بيوتَ الفقراء بقنابل الفسفور، والقذائف المُتفجّرة.

 

لا أستطيع- مهما تظاهرت بالجَلَد- أن أُنتجَ نصًّا ذا خصرٍ رقيق، أو قصيدةَ غزلٍ، فيما تعاني ( ليلى) من السبي، أو الاغتصاب، وتنام آخر ليلها على أسرّةٍ من مهانة.

 

يا صديقي، كُنْ على يقينِ أنّني ما دمت على قيد الإنسانيّة، فسأظلّ اخرجُ من معاركي اليوميّة بنصوصٍ مضرّجةٍ بالحزن، لكنّني لن أبرح اليقين، وإنّ للحزن دموعًا إذا سَقيت بها قلبك، سينبتُ في أرجائه شجر الغار والطمأنينة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق