وطن يترنّح ونخب تتمسّح.. وهذا الحل!

وطن يترنّح ونخب تتمسّح.. وهذا الحل!
أقلام وآراء

بقلم/ فؤاد البطاينة

لعبة خطيرة تجري في الأردن. الشعب والنظام فريقاها والصهيو- أمريكي منظمها، وهو حَكمها والبطل الرابح مسبقاً بالكأس، والوطن هو الكأس. الشعب والنظام يلعبانها بالوكالة ولا يظفر أي منهما بكأس الفوز. فالصورة أشبه بلعبة صراع الديوك، التي لا رابح فيها سوى منظمي اللعبة. أحد الديكين ضعيف الجسم والمخالب والمنقار ليخسر ويموت، والآخر ينجو ليموت في لعبة أخرى. لماذا يدخل الشعب في هذه اللعبة؟ ولماذا يتأقلم مع المصائب واحدة تلو الأخرى بشيء من العويل ؟ ولماذا لا ينظر للبعد الثالث من المشهد؟

فما يجري في الأردن هو سيرورة لعملية غزو صهيوني احتلالي ناعم بلا ضجيج دولي ـ ولا شعبي يلامس هذه الحقيقة. فكل ما يعاني منه الأردنيون والدولة من فساد وضغوطات معيشية وتجحيش للدستور وحكومات ومجالس نواب وسلطات فارغة المضمون، ومهما تعددت هذه البنود وتطورت وتعمقت تبقى كلها وسائل في اللعبة في سياق خطة استراتيجية لهدف استراتيجي. وهذا الهدف هو التوطئة والتمهيد عملياً على الأرض لوضع يد الصهيونية الإسرائيلية على هذه الدولة الوطن تنفيذاً لاستعادتها كوديعة لحساب وعد بلفور. وعلى ظهر هذه الوسائل تمر الصفقات والاتفاقيات الاحتلالية في سياق هذا الغزو بذرائع لا تُقال وهناك شعب يحس به النظام. وأخرها مشروع مزارع الألواح الشمسية في الأردن لحساب “إسرائيل” التي لديها على سبيل المثال صحراء النقب بمساحة أربعة عشر ألف كيلومتر مربع مشمسة طوال العام.

وليكن معلوماً بأنه لن يتوقف بند من بنود الضغوطات ما لم يقضِ وطره وما دمنا مشاركين في اللعبة. ومن الأهمية الحيوية بمكان، أن يعلم سواد شعبنا وفقراؤنا والأشد حاجة من الأغلبية الصامتة أن بند المعاناة النفسية والضغوطات المعيشية وحده لن تتوقف وسائله أبداً، فقضاء وطره المتمثل باعتراف الأردنيين بأن هذا الوطن ليس وطنهم والدولة ليست دولتهم، سيتلوه رضوخهم للعبودية والتهجير لتبدأ لهم مرحلة عذابات جديدة نشهد فيها هوية لاجئ أردني أو نازح، وسنشهد هوية عرب الأردن. فالنتائج التي انعكست على الشعب الفلسطيني ستنعكس ذاتها على الأردنيين مع اختلاف الوسائل لاختلاف الظروف.

إن معاهدة وادي عربة التي انطوت على اعتراف “إسرائيل” بوجود دولة أردنية بحدودها، انتهت تماما منذ وفاة رابين والملك حسين، وأصبح الأردن مزرعة وقاعدة للصهيو أمريكي وامتدادا جغرافيا وسكانياً لاحتلال فلسطين. فالأردن لم يعد يُحسب دولة مطبعة لأن التطبيع يعني العلاقات الطبيعية بين دولتين تتوخى مصالح بعضهما، بينما العلاقات بين الأردن وإسرائيل” هي علاقة رضوخ تام لا مكان فيها لمصالح أو لسيادة الأردن دولة أو وطناً ولا حساب لشعب. وما يجري من صفقات واتفاقيات يبرمها النظام وحده بمعزل عن إرادة الشعب واحدة تلو الأخرى مع أمريكا وإسرائيل لا يندرج تحت مسمى التطبيع بل تحت عنوان رهن مصير الدولة وشعبها لإرادة العدو. إنها لبنات بنية الاحتلال تنخر بعظام الأردنيين.

نتوقع على خلفية مخرجات الإصلاح إجراءات إدارية وسياسية قادمة في سياق فتنوي خلفيته احتلالية، ونتوقع في المحصلة صيرورة إخلاء من فلسطين وتجميع في الأردن واحتلال مبرمج له. لكن الأردنيين بمكونيهم يتخبطون وحادي القافلة يسير بهم لمبتغاه.. فالعفن والغباء ما زال يسكن عقول وضمائر الكثيرين منا على خلفيات فاسدة. أما آن لنا أن نفهم بأن كل ما كان وما سيستجد من سياسات داخلية على صعيد أحد المكونين هو بالضرورة ليس حظوة ولا استدراكاً، وبأن المخطط الصهيوني لا يميز بينهما إلا على خلفية فتنوية قوامها دائماً هو خدعة الوطن البديل.

نحن لا نواجه وطناً بديلا بل نواجه احتلال وطن. فمن المحال أن تقبل إسرائيل بهكذا دولة مجاورة لشعب احتلت أرضه، ولا لشعب أرضه في صلب المشروع الصهيوني وصلب جغرافية فلسطين. والمعطيات تنذر بوضع سياسي جديد في الأردن تنتهي فيه «اسرائيل» مرحلياً الى سلطة احتلال بجانبها صيغة أوسلو.

 نحن الأردنيين في صلب مرحلة سياسية متقدمة جداً في التوغل مع الصهيونية ومخططها، فيها الدولة ليست مهيأة لأي تطلع سياسي آخر، ونظامنا قطع شوطاً عميقاً ولم يعد يتمتع بحرية كافية ولا بقدرة الاستجابة لما يُطرح من آراء وحلول وبرامج نشغل أنفسنا بكتابتها وهي لا أرضية لها على أرض الواقع. لندرك بأن العمل السياسي المشتبك لا يكون جاداً وذا قيمة إذا لم يكن عملياً وله ثمرة، وسيكون عبثياً وترفاً وتعبئة فراغ أو تكسباً ما لم تكن خلفه جماهير، والجماهير لا تكون ما لم تكن مشاعر الشعب الواحد موجودة بين ناسها. فلو كان هناك شعور لدى النظام أو لدى أمريكا بوجود شعب أردني واحد يعبر عن نفسه لَما حدث ما حدث ولما جرى ما يجري. والتاريخ بطوله وعرضه لم يُسجل وقوف قوة طاغية بوجه شعب. ونستذكر هنا بأن الشعوب وإرادتها فوق الدساتير بل هي الدستور.

إلا أن مشاعر الشعب الواحد لم تتشكل خلال عمر الدولة الأردنية ولا الهوية السياسية الأردنية المرتبطة بالأرض تشكلت أيضاً. ولا يمكن أن تكون بداية سليمة ومنتجة أو موصلة قبل إنجاز هذه المهمة، وهي مهمة النخبة. والأردنيون مهيأون لسرعة التجاوب لامتلاكهم كل خصائص الشعب المتجانس.

وهنا أقول أن الحالة الأردنية هي حالة احتلالية ناعمة في قالب سياسي يردفها افتقاد مشاعر الشعب الواحد. فالعمل السياسي المقابل للنخبة الصادقة والواعية يجب أن يزاوج ما بين هذين الركنين وينطلق منه.

فالمرحلة الاحتلالية الناعمة التي نعيشها تحتاج لمرحلة تحرير سياسي وطني للدولة والوطن. ولا يبدأ هذا ما لم تبنِ مشاعر الشعب الواحد أولا. فمثل هذا العمل لا يمكن أن يتسع إلا لعمل سياسي وطني واحد. بمعنى لا بديل أبداً عن حصر العمل السياسي في هذه المرحلة في تنظيم سياسي واحد وسلمي، ينهي يُتم ناسنا ويقنعهم بأن كل ما يعانون منه كدولة وشعب سيبقى ويتعمق وصولاً لمصير واحد لا يختلف قيد أنملة عن مصير الشعب الفلسطيني. ولذلك فالنخب الأردنية مطالبة بوقف الأحزاب وتفريخ التنظيمات السياسية وكل أنواع التشتيت السياسي، ووقف عبثية استجداء الإصلاح، والجنوح بدلا من ذلك نحو العمل السياسي التحرري من خلال التنظيم الواحد. فالتعددية السياسية في هذه المرحلة لن تسهم إلّا بتشتيت الجهد الوطني في مواجهة خطر فقدان دولة واحتلال وطن وعليها الانخراط في التنظيم الواحد والقائم على أسس وطنية سلمية تخلو تماما من الإقصائية..

وعندها ستكون مشاعر الشعب الواحد قد تحققت على صعيدي المكون الواحد والمكونين ويكون الخروج الجماهيري المعبر عن وجود شعب ممكناً ومُعطيا الدعم الذي لا يقهر الملك. ومن المحرمات أن يتجاوز الخطاب أكثر من، نحن الشعب لا لتهميش إرادته، ولا للمشروع الصهيوني ووجوده في الأردن، ولا للوجود الأمريكي العسكري ونفوذه السياسي في الأردن، ونعم لمؤسسة العرش الهاشمي في مملكة دستورية ديمقراطية فيها الشعب مصدر السلطة وصاحبها. وعندها فقط تُسمع الكلمة ويكون الإصلاح.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق