أبناؤنا بين فكي الاحتلال

أبناؤنا بين فكي الاحتلال
أقلام وآراء

عبد الرحمن شهاب مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية

العشرينات من أيام الإضراب عن الطعام هي الأيام الحاسمة، وهي نقطة توازن القرار بين ثلاثة  مستويات: الأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي تراقب الشارع الفلسطيني وتخشى انفلات الاستقرار، والثاني هو المستوى السياسي الإسرائيلي الذي يتحرك ضمن الوقت الذي تمنحه له الأجهزة الأمنية، والثالث هو صمود السجين المضرب عن الطعام وقدرته على الاستمرار.

 

موقف الأجهزة الأمنية الإسرائيلية

 

الأجهزة الأمنية الإسرائيلي تتلقى يوميًا التقارير عن توجه الشارع الفلسطيني، وهي ترى أن التضامن الفلسطيني مع المضربين عن الطعام واجه خلال مساره قضايا أخرى فرضت على الأجندة الفلسطينية، مثل حالة الترقب التي أحدثها القلق على رواتب الموظفين العموميين التابعين للحكومة في غزة بعد التقليصات التي تمت على  رواتب شهر 3 وتأخير رواتب شهر 4، وما رافقه من تسريبات كثيرة حول أزمة البنوك، وكذلك ترقب الخطوات الأخرى التي قد تتخذها الحكومة الفلسطينية ضد إدارة القطاع التابعة لحماس، وأيضًا زيارة الرئيس أبو مازن إلى واشنطن؛ قضايا كثيفة أقحمت داخل خيمة الاعتصام مع الأسرى تجعل سقف التضامن محدودًا، وذلك كون المتضامنين يتوجسون من استغلال تضامنهم لأجندة لا تتعلق بالأسرى، كل هذا يصب في خدمة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، ويجعلها تمنح الجانب السياسي الإسرائيلي فرصة أيام مريحة لتجاهل الإضراب ما دام لم ينتقل ليشكل خطورة على الوضع الأمني للاحتلال.

 

الحكومة الإسرائيلية

 

الإطار السياسي من الحكومة الإسرائيلية وإدارة السجون لم تقرر فيما إن كانت تنوي التفاوض مع الأسرى، رغم صدور بعض التصريحات المتشددة عن بعض الوزراء ضد التفاوض مع الأسرى ومحاولة شيطنتهم؛ لكن الواضح أنه لم يصدر أي تصريح ولم يرشح أي تسريب عن الاجتماع الوزاري الذي عقد لمناقشة الإضراب بعد الأسبوع الأول منه، وهذا يشير إلى ان الحكومة الإسرائيلية لم ترغب بتقييد نفسها بأي قرار، بل وربما يكون من ضمن ما اتخذته من قرارات جعل الجلسة مفتوحة للمتابعة حسب التطورات.

 

صمود الأسرى

 

هذه الأيام تشهد تزايد عدد المضربين عن الطعام من الأسرى، كون الأسرى غير المضربين، والذين لم يكونوا مقتنعين بخطة الإضراب، لا يستطيعون البقاء محايدين، خاصة وأنهم يدركون أن نهاية الإضراب قد اقتربت، فلم يسبق للإضراب الجماعي ان تجاوز الثلاثين يومًا. لا شك ان هذا التضامن يرفع من سقف المضربين عن الطعام كونه يعطي دفعة نفسية ومعنوية أخرى، ويزيد من الإصرار على تحقيق المطالب، خاصة ان المطالب المحددة للإضراب لا تتناقض مع التدابير الأمنية لإدارة السجون وجهاز "الشاباك"، فهي مطالب في أكثرها حياتية.

 

المؤسسات الدولية

 

حرص مروان البرغوثي على رفع مستوى قضية الأسرى إلى مستوى الإعلام الدولي، كونه الأهم للوصول إلى المؤسسات الدولية من خلال كتابة مقاله في "نيويورك تايمز" قبل الإضراب بيوم، وإقحام كونه عضو مجلس تشريعي، إلا ان الماكنة الإعلامية الإسرائيلية كانت يقظة، وفرضت على الصحيفة ان تنزل توضيحًا يتضمن ان مروان معتقل على خلفية مشاركة في الارهاب وحكم نتيجة ذلك 5 مؤبدات من قبل محكمة إسرائيلية، كما استطاعت الماكنة الإعلامية الإسرائيلية شيطنة الأسرى وفرض قضية شيطنتهم على طاولة لقاء أبو مازن - ترامب.

 

من هنا تكمن الخطورة على حياة الأسرى، فالمستوى السياسي يتمتع بالوقت الكافي الذي منحته إياه الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، فهي حتى الآن لم تتفاوض مع الأسرى وتتجاهل إضرابهم، كما أن منح الوقت الكافي ليصل إلى هذه الأيام، العشرينات من الإضراب، قبل ان تتحرك مؤسسات إنسانية للدفاع عن الأسرى، ومن هنا فاستشهاد أحد الأسرى أو بعضهم في هذه الأيام لن يكون كافيًا لتحريك اللا مُحرَك من المؤسسات الدولية، بل وليس كافيًا لأن يأخذ التحرك الفلسطيني مدى يشكل خطرًا على الأمن الإسرائيلي.

 

التغذية القسرية

 

التغذية القسرية تهدف لإبقاء السجين على قيد الحياة حال وصولة إلى مرحلة التدهور الصحي، بغض النظر عمّا تترك من أضرار صحية على السجين المضرب عن الطعام، وذلك لتقليل الآثار التي يسببها استشهاد سجناء مضربين عن الطعام، وهو يعطي فرصة للجانب السياسي لعدم الاستجابة إلى مطالب الأسرى.

 

إسرائيل اعتمدت في قانونيتها للتغذية القسرية على أمرين: الأول الحادثة التي حصلت عام 1984 عندما اعتقلت أحد مجرمي المخدرات في حيفا، فقام بابتلاع المخدرات، الأمر الذي عرض حياته للخطر، ورغم انه رفض القبول بإجراء عملية جراحية لاستخراج المخدرات، إلا ان المستشفى استصدرت قرارًا من المحكمة بإجراء العملية دون موافقته، وقد استندت المحكمة في تأصيلها للقرار إلى ان السجين يرفض الموافقة على إجراء العملية خوفًا من تعريضه للاعتقال حال الكشف عن المخدرات. رغم الفارق الكبير بين الأسرى الفلسطينيين السياسيين وبين السجناء المجرمين، إلا ان إسرائيل لا تفرق، بل التفرقة تكون أحيانًا لصالح الجنائيين. الأمر الاخر الذي تستند علية إدارة السجون هو ان القانون الدولي لا يحظر استخدام التغذية القسرية بشكل جارف، بل يتفهمها في بعض الأحيان.

 

ان ما يثير القلق الآن هو ان هذا الإضراب جماعي، بمعنى انه ليس إضراب نخبة، بل يشمل أسرى مضرين عن الطعام وهم مرضى، وقد ينعكس الإضراب على صحتهم سلبًا في كل لحظة بانهيار لا يمكن استدراكه من قبل أطباء إدارة مصلحة السجون نفسها، بالإضافة إلى ان الطواقم الطبية لا تستطيع أن تراقب الوضع الصحي لجميع الأسرى بسبب ازدياد عدد المضربين مقارنة بعدد الأطباء. كما ان الأيام الأخيرة تشعر الأسرى بأنهم اقتربوا من تحقيق مطلبهم، وأنهم دفعوا ثمنًا غاليًا، إضافة إلى ان الشعور بالجوع لم يعد موجودًا، وإنما التراجع السريع لقدرة الجسد على الصمود دون الإحساس من قبل المضرب عن الطعام، ممّا يصعب إقناعهم بإيقاف الإضراب.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق